2011-01-24

الأستاذ الدّكتور امحمّد حسين فنطر

على النسخة الفرنسية من مدونتي هذه رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور امحمد حسين فنطر، نشرتها مع ردّي عليها للوضوح وتجنّب كلّ خلط. رجا التفضّل بالاطّلاع عليها على الرّابط التاّلي :


2011-01-18

نداء إلى تجمعي الحكومة المؤقتة


من الهكواتي – سالم اللبّان

أوّلا : إلى السيد محمّد الغنّوشي، الوزير الأول:


بلغ إلى علمي أنكم عبّرتم عن رغبتكم في التمتع بتقاعدكم السياسي قبل أن يعينكم الرئيس المخلوع على رأس الحكومة السابقة لثورة الياسمين. وإنّي إذ أثق في نظافة يديكم وكفاءتكم العالية ومعرفتكم الدقيقة بملفّاتكم وخاصة في حبكم الكبير لتونسنا العزيزة، لأسمح لنفسي بأن أتمنّى عليكم أن تعبّروا عن هذه الرغبة اليوم علنيّا، حتى وإن كانت معلوماتي الواردة أعلاه خاطئة، وأن تتعهّدوا بالانسحاب من الحياة السياسية مباشرة بعد قيادة البلاد إلى الاستقرار النهائي والديمقراطية التي لا رجعة فيها.


ثانيا: إلى السادة أعضاء الحكومة المؤقتة المنتمين إلى التجمع الدستوري الديمقراطي أو المحسوبين عليه


لست متأكّدا من أن هذه الحكومة المؤقتة في حاجة أكيدة إلى جميعكم بنفس الدرجة ولكنني أتوجه إليكم جميعا لأرجوكم أن تستقيلوا حالاّ من هذا الحزب وأن تعلنوا أنكم لا تشاركون في هذه الحكومة إلاّ بوصفكم تكنوقراطيين مستقلين. وإلاّ فرجائي أن تنسحبوا للتفرّغ لشؤون حزبكم الذي يستغيث بكم أن تنجدوه والذي لم يعد في وضعه الحالي إلاّ كالقشرة الجوفاء كما لم يعد له، من حيث هو هيكل منظّم على هذا الشّكل، أي مكان في هذا البلد بعد الثورة.

مع احتراماتي لجميع من عمل ويعمل اليوم أو غدا على إنقاذ تونس ممّا يتهدّدها من أخطار الفراغ السياسي والفوضى

والسلام
عاشت تونس حرة مستقلة أبد الدّهر
وحمى الله ثورة الياسمين من كلّ انتكاس




الإمضاء
سالم اللبّان
أديب عضو نقابة كتاب تونس
محسوب آليّا ودون بطاقة انخراط على التجمع الدستوري الديمقراطي
رئيس تحريرـ إطار (مدير) سجين ثلاجة وكالة الاتصال الخارجي

2010-12-12

"سنتي على جناح السرد" ورقيا

انتهت سنتي على جناح السرد – بعد تمديد الوقت – في الثالث عشر من مارس 2009. وكان على المحارب أن يستريح قليلا، وعلى النّصوص أن تُترك لشأنها بعض الوقت، حتّى تحصل بينها وبين منشئها مسافة كافية لتأمّلها بأقلّ ما يمكن من حمّى عواطف المخاض والولادة.
وكان لا بدّ، بعد أن حال الحول، من إعادة القراءة مرارا، لإصلاح ما كان يتطلّب الإصلاح وترميم ما كان يستدعي الترميم وإضافة ما كان المشروع يحتاج إضافته ليستوي مكتملا متوازن الأجزاء. وكان من عديد الصديقات والأصدقاء والأساتذة الأجلاّء عون على هذه المهامّ أذكره لجميعهم بمزيد الشكر والعرفان
كما كان عليّ التّنازل على نصف الأهداف التي ضبطتها في شأن نشر حصيلة "سنتي على جناح السرد" ورقيّا. وذلك حتى لا أحكم على كلّ المشروع بالسقوط في هاوية النسيان لضيق ذات اليد. فوطّنت النّفس على سياسة المراحل، لأبدأ بنشر القسم العربي من هذه الحصيلة. على أن أهتمّ، بعد ذلك، بمصير الترجمة الفرنسية.
أمّا في خصوص النّشر وما أدراك ما هو، معضلة يحسن عدم الخوض في تفاصيلها هنا، فكان من عديد الأطراف الصديقة استماع لطرحي ودراسة جدّية لمقترحاتي وتفهم كبير رغم الاختلاف. وأعترف بأنني أثقلت عليهم بأحلامي التي قد لا تستقيم إلاّ نظريّا، وأرهقتهم بتمسكي بشروط من باب لزوم ما لا يلزم، كما نُعت هذا المشروع منذ انطلاقته... فإلى كلّ من تحاورت معهم في هذا الشأن، خالص مشاعر الودّ الذي لا يمكن أن يفسده اختلاف الآراء.
لا أريد أن أطيل هذه المقدّمة، فالمهمّ، هو أنّني أعود اليوم إلى هذه الورشة/المدوّنة التي لم أكتب فيها حرفا منذ يوم 13 مارس 2009، لأعلن، أخيرا، أنّ النّصوص التي راكمتها هنا على مدى سنة كاملة وما يزيد، هي الآن في طريقها إلى النّشر الورقي وأنّني أمضيت في التاسع والعشرين من شهر نوفمبر المنقضي، عقدا مع دار البراق للنشر بالمنستير، يشمل النّصوص العربية كلّها في ثلاثة كتب كما سيأتي تفصيلها فيما يلي.

ولكنّ الأهم هو أنّ هذا المخاض المطوّل أسفر عن ولادة سلسلة أدبيّة تحمل عنوان "مرايا الكيان" ستنطلق بداية بهذه الكتب الثلاثة لتحاول أخذ مكانها في ساحة النشر الأدبي التونسية والمغاربية والعربية اعتمادا على نصوص حديثة من أجود ما ينشئه كتّاب يؤمنون بأنّ الكتابة نتاج جهد قبل أن تكون ثمرة موهبة ويترجمون إيمانهم هذا في نصوص لا يكلّون من تعهّدها بالعمل المتواصل صياغة ونقدا، ولا يستنكفون من الاستعانة على أمرهم معها بنصائح زملائهم وأساتذتهم من ذوي الخبرة الأكبر، حتى تصل إلى قارئها في أبهى الحلل.
في انتظار أن تكتمل أشغال مناقشة وتركيز الأرضية النظرية "لمرايا الكيان"، وفي انتظار أن ينتهي التفاوض بشأن الإجراءات العملية لنشر الكتب اللاحقة في كنف احترام حقوق الكاتب بما يمكّننا من كتابة الشعار التالي على الأغلفة: ( "هذا كتاب يعرض للبيع بعد خلاص كامل حقوق التأليف"، هذه عناوين وأغلفة الكتب الثلاثة الناتجة الحاوية للنصوص الأصلية التي أثمرتها "سنتي على جناح السرد" مع بيان مواعيد صدورها :



*****


سنتي على جناح السّرد – الكتاب الأوّل : عنقود حكايا
النوع : نصوص سردية – اللغة : عربية
المؤلّف : الهكواتي – سالم اللبّان - التّقديم: محمّد الحيزم
الطبعة الأولى تونس 2011 - عدد الصفحات : 240 - السعر في تونس : 12 دينارا تونسيا
تاريخ الصّدور : جانفي 2011 - الناشر: البراق للطباعة والنشر والتوزيع
صورة الغلاف : "عنقود نادي القصّة" صورة شمسية بإمضاء المؤلّف
صورة طيّ الغلاف : الهكواتي برصاص الفنان الجزائري محمّد بوكرش




*****



سنتي على جناح السّرد – الكتاب الثاني : بوصلة سيدي النّا...
النوع : نص سردي – اللغة : عربية
المؤلّف : الهكواتي – سالم اللبّان - التّقديم: جلّول عزونة
الطبعة الأولى تونس 2011 - عدد الصفحات : 272 - السعر في تونس : 13 دينارا تونسيا
تاريخ الصّدور : فيفري 2011 - الناشر: البراق للطباعة والنشر والتوزيع
صورة الغلاف : لوحة رقمية من رسم المؤلّف
صورة طيّ الغلاف : الهكواتي برصاص الفنان الجزائري محمّد بوكرش



*****


سنتي على جناح السّرد – الكتاب الثالث : قطوف من هامش المألوف...
النوع : سرد نقدي ووثائقي ولزوميات معاصرة
المؤلّف : الهكواتي – سالم اللبّان وأقلام صديقة
التّقديم: (؟ في انتظار النّصّ)
الطبعة الأولى تونس 2011 - عدد الصفحات : (؟) - السعر : (؟) دينارا تونسيا
تاريخ الصّدور : مارس 2011
الناشر: البراق للطباعة والنشر والتوزيع
الغلاف : صورة فوتوغرافية بعدسة المؤلّف
ظهر الغلاف : صور توثيقية التقطت لحساب المؤلّف
طيّ الغلاف : الهكواتي برصاص الفنان الجزائري محمّد بوكرش

2009-03-06

بوصلة سيدي النّا... 23 ميراث ميارى

سنتي على جناح السّرد 53 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 23 من 23– 06 مارس2009


المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الخامسة :

ميراث ميارى

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. ينتهي مفعول المنوّم وأنا في فراشي أرفض فتح عينيّ مصرّا على ارتشاف جرعة نوم أخيرة، ربّما أصبت بها حلما جميلا أو رؤيا تحمل بشرى الرّبيع.
لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. منذ استقرّ بي المقام هنا، لم أعد أعرف طبيعة أحلامي ولا أفرز كوابيسي من كوابيس بقيّة النّزلاء. أفلت منّي زمام الحلم من حيث هو لذّة، فتركتني الحياة نهائيّا في القصر المنيع وأخذت تبتعد عنّي، تجدّ في سيرها نـحو جبال مزهرة بالثّلج وطيب العيش، لا يغيب عنها الرّبيع أبدا.


لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. والنّاس من حولي يتجمّعون بالمئات، يختطفون الزّوارق من المواني ويركبون البحر إلى المجهول، والحياة لا تني تدير لهم ظهرها، فتغرق بعضهم قبل الوصول، وتحبس بعضهم في سجون الشّمال يحرقونها ويحترقون داخل زنازينها. ثمّ يعود بعضهم الآخر من نفس المسلك إلى اليابسة مكبّلين في السّلاسل.
لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. وقد صرت أخاف.
أخاف كلّما ابتدأ حلمي بمشهد الزّهور وصدّقت مثل هذا الفأل المبشّر بالفرح. فكلّما صدّقت كلّما كان فرحي أكبر، وكلّما كبر فرحي كلّما كانت نهاية حلمي كابوسا أفضع من كلّ الكوابيس.

*****

...نائم تحت القنطرة أحلم بأنّني أحلم. أرى سيدي النّا... يهديني باقة ورود ثلجيّة البياض. يضع على رأسي يده، يتحسّس الحمّى متألّما لألمي، ثمّ يطبع على جبيني قبلة طويلة ويقول :
- "الحمد لله على سلامتك يا مجدة. أنا فخور بك. ستنتهي الحمّى، ولا يبقى غير ذكرى نجاحك في الامتحان"
... ويبتعد عنّي سيدي النّا...، مشيرا إليّ بسبّابته أن أتبعه. أجري وراءه بين التّلال، وقلبي مفعم بالفرح. يغيب عنّي سيدي النّا... في غاب كثيف الأشجار. هناك، أجدني في طريق معبّدة. على حاشية الطّّريق علامة مرور تشير بخطّ عريض إلى "تازغران". تتضاعف فرحتي. أجري وأجري حتّى أتخيّلني بطلا أولمبيّا. أعبر قنطرة ضيّقة على مجرى وادي هزيل. أكتشف القرية الحمراء بمساكنها البيضاء النّاصعة، فأجد بطحاءها مليئة بالجماهير تحمل لي باقات الأزهار وتهتف باسمي. تبدو لي البطحاء صغيرة ولكنّها مزدانة بأعلام كثيرة ولافتات عديدة، كتب على إحداها "الوصول"، وكتب على أخرى "مرحبا بالبطل محمّد الأمجد بريقشة"، وهكذا.


... تبلغ بي النّشوة ذروتها وأجدني وسط حلقة المشجّعين وهم يصفّقون لي ويطلقون آهات الإعجاب، بينما صوت مذيع ينطلق من مضخّم الصّوت صائحا :
- "أخيرا وصلت البوصلة إلى تازغران... غنّوا جميعا للبوصلة... صفّقوا جميعا للبطل"...
... فجأة ينقلب الحلم كابوسا. ويصيبني ما يشبه الشّلل. أُدخل يدي في سروالي لأتحسّس البوصلة. آخر عهد لي بها كان أيّام الصّحراء، أيّام كانت بوصلة سيدي النّا... متدلّية بين ساقيّ مع خصيتيّ، مشدودة إلى حزام حول خصري. أخجل من نفسي. تثور من حولي ضجّة ضاحكة وأنا أفتح فخذيّ وأتلمّس بكلّ براءة ما بينهما فلا أجد للبوصلة أثرا. ثمّ لا أدري كيف ينقلب ضدّي فجأة جمهور المشجّعين، ويبدؤون الهجوم عليّ. كلّهم يرتمون فوقي حتّى يحجب عنّي نور النّهار فلا أعود أشعر إلاّ بالضرب ينهال على جسدي من كلّ صوب.
... فجأة أجدني وسط مغارتي البونيّة حيث يلتئم الآن مجلس مهيب. يبدو أنّ الأمر يتعلّق بإقامة محاكمة لي بأتمّ معنى الكلمة، ولكن في الظّلام الدّامس. أنظر إلى المنبر فإذا الذي تمّ تعيينه لرئاسة المحكمة ليس إلاّ سيدي النّا... شخصيّا. وسيدي النّا... يبدو الآن في حال من الغضب لم أره أبدا على مثلها، عندما كان على قيد الحياة :
- "أنت الذي خنت الأمانة يا مجدة. يا خسارة تربيتي فيك. أمّنتك على البوصلة فأضعتها ولم تكن أهلا للمهمّة."
... ألتفت فإذا المغارة مزدحمة من حولي. صاحب الزّورق الذي هربت فيه من الهوّاريّة موجود، وكلّ الشّباب الذين كانوا يعتزمون الحرقة على متن زورقه موجودون. كذلك يوجد صاحب الحمار، وأعوان صاحب الحمار، وصاحب ضيعة البرتقال، ونادية بالعيساويّة، وأمّها، وبوجمعة الدّزيري، وأبناؤه، وزوجته، والحاجّة هنيّة، وعاملاتها في ضيعة السّلوقيّة، وبشرى التّوكابري، وفارس الخميري، ونوفل الوشّام، وكريم أولاد بالعيفي، وأمّه، وسفيان الجريدي، وأخته، وابن أخته، وحفّة الجيغولو، وأصحابه الملثّمون الذين كانوا يصطحبونني في الصحراء، وياسين بالأغنج، وصاحبته حوريّة، والعذراء أمّ الزّين، والمقدّم عبد الحفيظ، وأناس كثيرون لم أتبين ملامحهم في العتمة. كلّ منهم يلوّح بسكّينه يريد غرسه في صدري وليس لي من مهرب. أصرخ : "أقرصيني يا أميمتي" وأحاول اللجوء إلى سيدي النّا... فإذا هو يصفعني كما لم يصفعني أبدا حين كان على قيد الحياة. وإذا هو يعلن للجميع حكما لا معقّب له بأنّ دمي مباح لمن أراد الانتقام ثمّ يتنحّى عن المنبر غاضبا عليّ.
اقرصيني يا خدّووووووووجة... لا أريد صعقات الكهربااااااااااااااااااء.


*****


لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. وغالبا ما أعيش كوابيسي وعيناي مفتّحتان.
... جالس على بنك طويل في حديقة القصر المنيع. بحذائي رجل غريب وامرأة، في حضنها رضيع. قد يكونون هنا في زيارة لأحد المرضى، فلم يجدوا مكانا غير هذا للجلوس. أنا على كلّ حال مشغول عنهم بحذائي الذي انفكّ رباطه. أحملق فيه في صمت ولكنّني أشعر في داخلي بمخاض رهيب. أركّز على الحذاء حتّى تظهر لي سقيفة بيتنا في زنقة بريقشة.
أخيرا حلم سيضحكني بعض الشّيء. أو هذا ما يبدو لي على الأقلّ بالنّظر إلى الدّور الذي ألعبه فيه. فسقيفتنا تظهر لي وكأنّها أستوديو تصوير. الكاميرا منتصبة وأولاد نادي الفيديو كلّ في موقعه منصرف إلى مهمّته. هنا يجري تصوير شريط وثائقيّ عن مناسك غسل ودفن الشّهيد محمّد الأمجد بريقشة. الموضوع في حدّ ذاته يبعث على الضّحك. المشكلة الوحيدة، هي أنّني ميّت بالفعل. جسدي متجمّد. أبصر ما يدور حولي، ولا طاقة لي على التّدخّل في سير الأحداث. فها أنا بالفعل ممدّد على مغسلي المنتصب في وسط السّقيفة. وقد اشتعلت الكشّافات تسلّط عليّ أضواءها ولا تقدر على تغيير شيء في البرد الجليدي الذي عليه جسدي الهامد.
ما يبعث على العجب هو أنّ البّيه صبرية لم تعد خرساء. فها هي تصول وتجول في تنظيم المأتم. يبدو أنّها من تولّت لفّي في هذا الكفن الأبيض. بل يبدو أنّها من تسهر على إخراج الشّريط. وها هي تصدر الأوامر وتنظّم الدّاخلين إلى السّقيفة في صفّ مستقيم :
- هيّا اصطفّوا بنظام. لا أريد أن يبكيه أحد. عند إشارتي، يتقدّم كلّ واحد منكم فيسامحه ويخرج إلى الفناء دون تشويش.
يرتفع صوت المقرئ الشّيخ علي البرّاق من جهاز تسجيل، مرتّلا سورة الزلزلة. وتتابع الكامرا دخول المسامحين يتقدّمهم عامر البينتو منتفخ الصّدر مفتوح أزرار القميص. من الذي سمح لهذا الحلّوف بحضور مأتمي ؟ تدوّي صرختي في داخلي ولكن لا أحد يسمعني. أرى أختي رشيدة تدخل محتضنة رضيعها الذي يأخذ في البكاء بصوت مرتفع. فتأخذ هي في إسكاته محدّثة إيّاه بصوت طفوليّ :
- هيا اسكت يا مهنّد ... اسم الله على وليدي. يزّي بابا يزّي. نسامحو فيسع خالي مجدة ونخرجو.
تنظر البّيه صبريّة إلى رشيدة شزرا لتعاتبها. فتخرج رشيدة ثديها وتضع حلمتها في فم وليدها فيرضع حتّى يسكت أخيرا. ولكن، ماذا يفعل هذا الكاميرامان ؟ إنّه لمجنون. لم يترك الفرصة تمرّ دون أن يضيّق إطار الصّورة على ثدي أختي. أمّا أنا فكلّ تركيزي على هذه القهقهة التي تلعلع بداخلي : ابن أخت محمّد الأمجد بريقشة اسمه مهنّد، تماما على اسم ذلك الرّجل في المسلسل التركي الذي يبثّ علينا في قاعة التلفزة كلّ مساء. الحمد للّه على أنّني متّ قبل أن يكبر. وإلاّ لاضطررت إلى التّعوّد على مناداته هكذا. ولكنّ الأشنع من هذا الاسم هو هذه المحرمة الغريبة على رأس رشيدة، والتي لا هي غطاء رأس عادي ولا حجاب فارسي، وكذلك هذه اللحية المتردّدة التي تكسو وجه زوجها العيّادي التّوهامي الدّاخل وراءها. إنّها لحية تذكّرني بحديثي الالتحاق بجماعة فلوس القاز. أرى أنّ أحدا لا يسمعني دائما. ولكنّ هذا لا يمنعني من الصّمت. الله يستر باب تونس. هذا فقط ما يمكنني قوله.
بعد زوج أختي تدخل كارلا بيكولو زوجة عامر البينتو وهي تدفع كرسيّا متنقّلا. ما لا أفهم له مغزى هو أنّ أمّي هي التي تجلس على هذا الكرسي. ثم إنّ وجهها لا تظهر عليه أيّ علامة حزن، وكأنّ الميّت لا يمتّ إليها بصلة. لم أكن أتصوّر أن يصل غضب خدّوجة الجعيّد عليّ إلى هذا الحد. ثمّ لماذا كارلا بيكولو هي التي تساعدها ؟ لو كان في هذه الدّنيا منطق لكان على زوج رشيدة أن يهتمّ بأمّي ويدفع كرسيّها. ولكن يبدو أنّ الأغراب أكثر منّا إنسانيّة وشفقة.
ختاما، يسود الصّمت. ويصطفّ الجميع بكلّ احترام في انتظار أن تعطي البّيه صبرية إشارة انطلاق مراسم السّماح. ولكن ها هي راضية بنت كحلة تجيء متأخّرة وتلتحق بالمسامحين جارّة زوجها النّاجي العجل، موشوشة له في أذنه وهي لا تتمالك من الضّحك.
إذا كان تصوير مأتمي في شريط وثائقيّ من شأنه أن يضحك مادام راضية، فأنا لم تعد لي رغبة في الضّحك البتّة. فقد ذكّرني قدومها بأنّ عيشوشة ليست هنا. فلماذا تتغيّب عيشوشة عن مأتمي؟ ولماذا لا تجيئني بابنتي ميارى ؟ البّيه صبريّة أيضا ليست لها رغبة في الضّحك. وها هي تنهر راضية بنت كحلة :


- عيب يا راضية عيب. الكامرا تدور. وهذه وثيقة ستبقى للتّاريخ. فماذا سيقول عنّا التّاريخ يا عزيزتي وهو يشاهدك تقهقهين هكذا ؟
يبدو أنّ لكلمة التّاريخ، هذه التي نطقت بها البّيه صبريّة مفعولا سحريّا. فقد بدأ شريطها الوثائقيّ يتحوّل إلى مأتم بالفعل والواقع. فقبل أن يؤذن لأيّ كان بالاقتراب منّي، يستحيل حلمي إلى كابوس. فلا كاميرا ولا كشّافات ولا أيّا من أولاد نادي الفيديو. وفي المقابل، تستحيل سقيفتنا إلى مغارة بونيّة، وبالذّات إلى تلك التي كانت قد أقيمت لي فيها محاكمة في كابوس سابق. فإذا مغسلي يحاصره كلّ أولئك الهاجمين عليّ بسكاكينهم.
وفجأة يقتحم المغارة رجل قادم من رحم الأمواج. يقول إنّه عدل منفّذ، وإنّه آت من سنة 2027. وها هو يصيح في الجميع :
- أوقفوا كلّ شيء. لا يمكن أن تبدأ مراسم السّماح قبل أن أفضّ مشكلة هذه البوصلة بحضور الجميع.

تهمّ البّيه صبريّة بالرّدّ عليه ولكنّها تعود إلى حال خرسها فلا تجد الكلام. ويفتح العدل المنفّذ محفظته ليخرج منها ورقة يقول إنّها محضر تسليم هبة، ويطالب الجميع بالصّمت قبل أن يشرع في القراءة :
- باسم الله الرّحمان الرحيم
أمّا بعد، فإنّه في يوم السادس من مارس من سنة 2027، توجّهت أنا، الأستاذ كاف واو تاء، العدل المنفّذ بباب تونس، والمكلّف بهذه المهمّة من قبل الأستاذة شين باء ميم، محامية المتّهم المرحوم محمد الأمجد بن الحبيب بن البحري بريقشة. واتّصلت بالآنسة ميارى منصورة، المولودة في 6 مارس 2007، والقاطنة في حيّ العمران الآتي رقم (.....)، شقّة رقم (....)، بنت عامر بن محمّد صالح بن عثمان منصورة شهر عامر البينتو، وبنت عيشوشة بنت النّاجي العجل، كما تنصّ على هويّتها بطاقة تعريفها الوطنيّة رقم (.......).
وحيث توجّهنا إلى المقرّ المعيّن بالعنوان. وحيث وجدنا المعنيّة شخصيّا. وحيث شرحنا لها مهمّتنا وطلبنا منها الإجابة على أسئلتنا المتعلّقة بقبول العطايا الثلاث موضوع الهبة التي تبرّع لها بها المغفور له محمّد الأمجد بريقشة. فقد طرحنا عليها الأسئلة وحرّرنا عليها أجوبتها على النّحو التالي :
أوّلا : في خصوص بيت آل بريقشة الكائن في نهج باب تونس زنقة بريقشة عدد 2 والذي انجرّت ملكيته للواهب بالطّرق القانونية كما تثبته الشّهادة الزّرقاء المسلّمة من إدارة الملكية العقّارية المؤرّخة في (.....) والحاملة رقم (.......). سألنا الآنسة ميارى البينتو إن كانت تقبل هذه الهبة من المغفور له محمّد الأمجد بريقشة، فأعلنت قبولها بكلّ سرور. وبناء عليه سلّمناها مفاتيح المحلّ والشّهادة الضامنة تسجيله باسمها، وأمضت من ناحيتها على الاستلام في المكان المخصّص للغرض من مسودّة هذا المحضر.
ثانيا : في خصوص الظّرف المختوم الحاوي نتائج تحاليل طبّيّة تخصّ المتبرّع، والذي كانت محامية المغفور له سحبته من مخبر التّحاليل الجينية بمعهد باستور بتونس، بناء على قرار المحكمة إسقاط التّتبّع في القضيّة الموجبة للتّحليل. شرحنا للآنسة ميارى البينتو أنّ الظّرف المعروض عليها بقي مختوما كما كان يوم سحبه من المخبر، وذلك طبقا لإرادة المتبرّع الذي امتنع هو نفسه عن الاطّلاع على نتائج التحليل، حتّى لا يعلم بها أحد قبل أن يُسلّم الظّرف إليها يوم بلوغها سنّ الرّشد القانونية. ثمّ سألناها إن كانت تقبل هذه الهبة من المغفور له محمّد الأمجد بريقشة. وحيث أعلنت قبولها ببالغ الارتياح، فقد سلّمناها الظّرف المذكور. ولكنّها أصرّت قبل الإمضاء على الاستلام، على أن نشهد نـحن على المصير الذي آلت إليه هذه العطيّة على يديها وعلى أن ندوّن شهادتنا في وثيقة الحال حتّى تكتمل العمليّة في كنف الشّفافية.
وبناء عليه فإنّنا نشهد طبقا لما تخوّله لنا صفتنا، على أنّ الآنسة ميارى البينتو، بمجرّد تسلّمها الظّرف ودون أن تفتحه، عمدت إلى إحراقه مغلقا بحضورنا حتّى تفحّم بالكامل.
ثالثا : في خصوص البوصلة الموروثة من قبل الواهب عن خاله المرحوم النّاصر الجعيّد. أعلمنا الآنسة ميارى البينتو بالجهود المضنية التي بذلتها المحامية، بناء على طلب الواهب، حتّى عثرت على هذه القطعة الثمينة بعد ضياعها. وشرحنا لها مدى إصرار الواهب على أن تودع البوصلة عندها هي بالذّات ورجاءه بأن تحرص على المحافظة عليها إلى أن تؤول ملكيتها إلى خلفها من بعدها. وحين سألناها إن كانت تقبل هذه الهبة من المغفور له محمّد الأمجد بريقشة، اعتذرت الآنسة ميارى البينتو معلنة عدم حاجتها إلى بوصلة، رافضة الإمضاء على الاستلام.
وبناء عليه، وحيث بحثت عن المحامية شين باء ميم فقيل لي إنّها هاجرت للعيش في القارّة الأمريكيّة، فإنّني، طبقا لما يتيحه لي القانون وتخوّله التكنولوجيات الحديثة، توجّهت إلى شهر مارس من سنة 2009، حيث كانت تقام في تاريخه مراسم مأتم المغفور له محمّد الأمجد بريقشة، لأوقف تنفيذ الدّفن قبل أن يجيبني الواهب على هذا السّؤال :
ماذا أفعل بالبوصلة في صورة رفض الآنسة ميارى البينتو استلامها ؟
... صياح امرأة تطلب النّجدة يقطع عليّ الكابوس فينقذني من سكتة قلبيّة لا ريب فيها. لعلّها أختي رشيدة هي التي تصيح. ولكن، لئن كنت أشعر بما يشبه الوعي بأنّني مازلت حيّا وبأنّني موجود في حديقة القصر المنيع، فإنّني أشعر دائما بتجمّد كامل أعضائي كما في الكابوس. لذلك فليس لي إلاّ أن أستسلم للممرّضين الثلاثة الذين جاؤوا يأخذونني إلى قاعة الكهرباء...

*****


لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. ولكن، كان لا بدّ أن ينتهي تشنّجي، وأن يسمح لي من جديد بالخروج إلى الحديقة. كان لا بدّ أن أتعوّد على المقرّ الذي اخترته للإقامة بقيّة حياتي، وأن تعود فراشتي إلى مؤانستي، وأن أحلم بالزّهور من جديد دون أن يسودّ الأفق في خاتمة المطاف.
...جالس وحدي في حديقة القصر المنيع الفسيحة. اليوم مشمس، والشّتاء يلملم أواخر أيّامه دون أن يقوى الرّبيع على فرض حضوره. أشجار اللوز على يميني وأشجار المشمش على يساري، وجميعها قد طرحت بعدُ زهورها، وتبارت في طلب ودّ فراشتي المتجوّلة بين البتلات البيض والورديّة، ناقلة بين الزهور تبادلها البوح بنشوة بعثها الجديد. جالس وحدي في حديقة القصر المنيع الفسيحة، أحلم بمحاميتي.
الحلم أعطر من كلّ الزّهور وأجمل من كلّ ربيع. أوّل حلم في يقظتي أخرج فيه عن صمتي ولكن دون كلام. محاميتي تقترب من مقعدي، ودون مقدّمات، تهمس في أذني "يسلّم عليك سفيان". ثمّ تفتح حقيبتها اليدوية لأرى فيها بوصلة سيدي النّا...
نعم... البوصلة.
نعم... سلام من سفيان الجريدي، يخترق المسافات، يخترق جدران القصر المنيع ويصل إليّ.
نعم ... كنت واثقا منذ البداية من أنّ محاميتي كانت تصدّقني حين كنت أحكي لها أحلامي وتفاصيل رحلتي. كانت مؤمنة بوجود بوصلة سيدي النّا... مصدّقة بأنّها ضاعت منّي. وكنت من ناحيتي على يقين من أنّها ستجدها مهما طال بحثها عنها. ومع ذلك فبمجرّد أن رأيت البوصلة تلمع في حقيبتها اليدويّة، كاد قلبي يخرج من صدري، من شدّة فرحي.
كدت أفقد تركيزي على دوري، وأُضيعُ نهائيّا أثَرَ طيرانِ فراشتي. ولكنّني تماسكت في آخر لحظة. مسكت محاميتي من يدها مبتعدا بها عن أنظار المرضى. وقفت وإياها بحذاء شجرة لوز قصيرة ومسكت برفق غصنا مزهرا لأقرّبه منها حتّى تفهم جيّدا قصدي. ثمّ مددت يدي إلى حقيبتها اليدويّة كما لو أنّني كنت أريد أخذ البوصلة. فتركتني أفعل وفتحت الحقيبة لمساعدتي. ولكنّني أخذت منها قلما وكتبت به على راحة يدها "هدية عيدها العشرين. فمن يدري ؟". ثمّ أطبقت أصابعها على ما خطّه القلم. وأطبقت حقيبتها اليدويّة على بوصلة سيدي النّا...، وبقيت أنظر مباشرة في عينيها حتّى رأت عينيّ كما لم ترهما أبدا من قبل تلتمعان. وشددت طويلا على يدها، في صمتٍ محمّلٍ بكلّ امتناني.
بقينا هكذا صامتين، إلى أن سالت على خدّها عبرة. عبرة قالت لي إنّ محاميتي نفذت من كلّ سرّي إلى أعماقه، واستوعبت تماما قصدي. عبرة كانت منها وعدا ووداعا...


همّت بأن تقول لي شيئا ولكنّها لم تستطع. فاستدارت لتنصرف، وتركتني محاطا بأشجار اللوز، أتابع بالنّظر تحليق فراشتي بين أزهار ربيع مازال يرغب في مزيد التّأخّر عن المجيء.


الهكواتي


انتهت الرّواية / الغزالة في 06 مارس 2009


وانتهت سنتي على جناح السّرد، فأهلا بكم في النّادي الثّثافي الطّاهر الحدّاد لمائدة مستديرة حولها




2009-02-27

بوصلة سيدي النّا... 22 نداء الجليد

سنتي على جناح السّرد 52 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 22 من 23– 27 فيفري2009


المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الرّابعة :

نداء الثّلج

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

هذه الوثيقة خطاب أودعه سفيان الجريدي في صندوق بريد الأستاذة شين باء ميم، محامية المتّهم محمّد الأمجد بن الحبيب بن البحري بريقشة، صبيحة يوم الجمعة 27 فيفري 2009.


صديقتي، عمت صباحا
أكتب إليك هذه السّطور من مقهى "الفنك"، قبالة محطّة الحافلة في مدخل حيّكم. ألجأ إلى الكتابة بعد أن اتّضح لي أنّ الظّرف الذي أحمله إليك أعرض من أن تتّسع لدخوله فتحة صندوق بريدك. رقم الهاتف الجوّال في أعلى الصّفحة، هو لليندا. اتّصلي بها، وستسلّمك هي ظرفا كرتونيّا حرصت على إحكام غلقه بشريط لاصق.
ليندا طالبة من العائلة. هي وخطيبها الآن معي، لتشييعي بسيّارة هذا الأخير. هي لا تعرف عن محتوى الظّرف أكثر من أنّه شيء ذو قيمة عاطفيّة رفيعة بالنّسبة إلينا معا، وأنّه عليها أن تخصّ الظّرف ببالغ عنايتها وتحافظ عليه تماما كما أودعته عندها. ولكنّها تعرف عن علاقتنا، في المقابل، فكرة أشعتها في العائلة، منذ اليوم الأوّل، لذرّ الرّماد على الأعين. لذلك أرجوك المعذرة، إذا حصل أن دفعها فضولها فطرحت عليك بعض الأسئلة التي قد تحرجك. أنا حريص على أن تكون إجابتك لها غامضة، كأن تقولي مثلا "كلّ شيء بالمكتوب".
لأنّ كلّ شيء فعلا بالمكتوب. ولو لم أكن مقدما على تنفيذ مشروعي الذي سأحدّثك عنه أدناه، لكنت بالتّأكيد فاتحتك، منذ أوّل قهوة صباح شربناها معا في قفصة، في تلك المسألة التي تنتظرين منّي - إن لم أكن مخطئا - أن أناقشها معك. ولكن من يدري يا صديقتي ؟ فالأرض أضحت أصغر من برتقالة. وقد يمكن بفضل المراسلة أن يتاح لنا طرح كلّ المواضيع التي لم نجرؤ على طرحها بعد، لأسباب متعدّدة. ولكنّ هذا يقتضي أن تتوقي إلى تلبية نداء الآفاق الرّحبة مثل ما أتوق أنا.
أرجو أن لا يكون أملك قد خاب بعد. فقد كنت تتصوّريننيّ رجلا صلبا، شفّافا، مالكا لمصيره يعرف جيّدا ما يريد. فإذا أنت في حضرة كائن ملغّز لا يبدو قادرا على السّير مباشرة نـحو هدفه. ولكن، صبرا يا صديقتي.
قد تغضبين لأنّني لم أعلمك باعتزامي المجيء إلى العاصمة، ولا حرصت على مقابلتك ما دمت موجودا بها، ولا حتّى اتّصلت بك هاتفيّا لأسمع صوتك. يمكنك اعتبار هذا جبنا منّي. فمشكلتي الحقيقية أنّني بالفعل جبان شيئا ما، ولكنّني أعتزم مقاومة هذا الجبن وسأكفّر عن ذنبي تجاهك في الأيام القادمة. فقد وصلني عنوان بريدك الألكتروني ضمن إرساليّة قصيرة، وسأستعمله بداية من الليلة لأشرع في شرح كلّ شيء لك. ولكن إذا كان لديك سبب واحد لتغضبي منّي أكثر، فهو أنّني، أثناء لقائنا في قفصة، أو حتّى في مكالماتنا الهاتفيّة بعد ذلك، أخفيت عنك بعض الحقائق وكسوت بعضها الآخر بالأقنعة.
ها أنا أعترف بذنبي، يا صديقتي. وكلّي ثقة في أنّك ستتفهّمين موقفي وستعذرينني. فلكلّ ظروفه، وسأشرح لك ظروفي وأجيب بالتفصيل عن كلّ الأسئلة التي طرحتها عليّ، وحتّى عن تلك التي لم تجرئي على إثارتها إلى الآن. فقط لا تنسي وعدك لي بأنّك لن تستعملي من المعلومات التي سأمدّك بها إلاّ ما كان يخدم صالح محمّد الأمجد بريقشة.
على ذكر بريقشة، بما أنّك ستزورينه قريبا في السّجن، سلّمي لي عليه كثيرا. وقولي له إنّني لئن كنت للأسف لا أملك الشّجاعة الكافية لأزوره بنفسي، ولا لي أيّ صفة تخوّل لي أن أطلب مقابلته، فإنّني فخور بأن كنت في مستوى الثّقة التي وضعها في شخصي. ولكن، مهما يكن من أمر، فإنّني أريدك أن لا تتخيّلي أيّ رابط سببيّ بين قضيّة بريقشة وبين الخبر الذي تأخّرت في أن أسوقه إليك، أو بين هذا الخبر وبين قبولي التحدّث إليك عندما جئت إلى قفصة، وخاصّة أثناء جلستنا المطوّلة، في تلك العشيّة، في مقهى وادي الباي، حينما كان يعجّ بالمحامين القادمين من العاصمة من أجل المحاكمة، وكذا بالمخبرين الذين كانوا يراقبون كلّ ما كان يحدث هناك.
لا أريدك أن تشعري إطلاقا بأيّ ذنب في ما يحدث لي، أو أن تتخيّلي أيّ تأثير للقائنا على وضعي المهني، ولا على اتّخاذي القرار في الاتّجاه الذي اخترته في النّهاية. ولكنّ الأحداث تتسارع من حولنا أحيانا بما يحوّل مجرى حياتنا تحويلا جذريّا في أشهر، بل في أسابيع قليلة. ولم يكن لقاؤك إلاّ واحدا من تلك الأحداث التي يفرزها تسارع إيقاع الحياة في مثل هذه الحال، أو تلك التي تنصهر بطبعها ضمن مجرى ذلك الإيقاع، إلى حدّ أنّها تبدو سببا في تسريعه. فقراري حسم مجرى حياتي على هذا النّحو، كان يطبخ على نار هادئة منذ وقت طويل.
سأبدو لك معقّدا بعض الشّيء. ولكنّني، وقد صُدمت ببعض الممارسات التي بدت لي خرقاء، قرّرت أن أسدّي شبكتي في صمت مطبق ولا أبوح بأمرها لأحد. فقد كنت عشيّة أمس في مكتبي كما لو أنّ شيئا لم يكن على وشك الحدوث. وهذا الصّباح، لم يخاطبني أحد منهم بالهاتف بعد، ولكنّني أفترض أنّهم يتصوّرونني مريضا. سيكون تخلّيا عن العمل بأتمّ معنى الكلمة. حتّى أختي لا تعرف أين أنا الآن ولا إلى أين أذهب. ستعلم عن طريق رسالة، ستحملها إليها ليندا عند عودتها غدا إلى الرّديّف.
لم تلاحظي عليّ شيئا من هذا يا صديقتي. ولكنّني كنت أشعر بالاختناق حيث كنت. فقد اكتشفت، منذ التحقت بالإدارة، مدى سذاجتي في مقاربة العمل والعلاقات المهنيّة والنشاط الميداني والحياة عموما. ووقفت على عجزي العضويّ عن فعل أيّ شيء. لا للتّأثير في سير الأحداث ودفعها في الاتجاه الذي أراه سليما. فهذا حلم دفنته منذ الأيّام الأولى. ولكن لمجرّد أن أتعفّف عن هذا النّفاق السّائد الذي يصيبني بالحمّى إذ يغذّي الدّمّل قليلا، قليلا كلّ يوم، لا لشيء سوى المحافظة على امتيازات نـحيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.
لهذا، يا صديقتي، وجدتني في حاجة أكيدة إلى استنشاق جرعة من هواء طازج، من هواء بارد، من هواء ثلجيّ إذا لزم الأمر. فأخذتني فجأة رغبة جامحة في تغيير مجرى حياتي تغييرا جذريّا، ما دام في الحياة متّسع. وبدأت أعمل في هذا الاتّجاه منذ الصّائفة الماضية. وقد كان يمكن لمجيئك إلى قفصة أن يدفعني إلى التّراجع في آخر لحظة. ولكن، كان لديّ، على ما أعتقد، ما يكفي من الحكمة، أو ربّما من سوء الطّالع، لأمضي في خطّتي حتّى النّهاية، كما لو لم أكن قد التقيت بك، على أن أعيد تأسيس علاقتنا من الصّفر بالمراسلة.
سمّي فعلتي المجنونة هذه كما يحلو لك. اعتبريها مجرّد قفًا لعملة جبني الأزليّ، اعتبريها امتثالا لقوانين سوق نزيف الكفاءات، أو حتّى "حرقة" جوّيّة لا تدخل تحت طائلة القانون. ولكن، عندما تجدين هذه الرّسالة في صندوق بريدك، تكون طائرتي قد أقلعت بعد في اتّجاه لندن ومنها أتحوّل الليلة إلى مونريال. سأقضّي هناك سنتين أفكّر خلالهما جدّيّا في مستقبلي، وأحدّد مسلكا نهائيّا أتّبعه. ولا أخفي عنك أنّ رأيي قد يستقرّ على الإقامة هناك بشكل نهائيّ.
هذه، يا صديقتي، دفعة أولى من البوح الذي اعتزمت أن أفضي به إليك لما بدا لي بيننا من ميل متبادل ولتقارب رؤانا عموما حول أهمّ الأمور. وقد كان يمكن أن تصلك هذه الرّسالة بالبريد الألكتروني الليلة بالذّات. ولكنّ الظّروف شاءت أن أكتبها على ورق اشتريته من مكتبة حيّكم. كان يمكن أيضا أن أكتب لك أكثر لو لا أنّ ليندا وخطيبها قد بدآ يستعجلاني حتّى لا يفوتني موعد الطّائرة.


لذلك فهذا عنوان بريدي الألكتروني. ربّما وصلني منك ردّ قبل أن أبرح مطار لندن هايثرو، من حيث تنطلق طائرتي في الساعة السابعة و خمس دقائق مساء.
كلّ صداقتي وأكثر بكثير إن كنت راغبة.
سفيان الجريدي
sofianova-tn@hotmail.com

الهكواتي .../... يتبع

2009-02-20

بوصلة سيدي النّا... 21 دائرة الحمار والفراشة

سنتي على جناح السّرد 51 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 21 من 23– 20 فيفري2009

المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الثّالة :

دائرة الحمار والفراشة

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

بماذا كانوا يريدونني أن أعترف ؟
وماذا كانوا يريدون منّي أن أقول ؟


واضح بالمنطق أنّني لم أغمض عينيّ على كثيب الرّمل في الصّحراء لأفتحهما مباشرة أمام جامع القادريّة في الكاف. ولكنّ ما كانوا يريدونه هو أن أعترف بأنّني أعرف أشياء عمّا جرى بين هذه اللحظة وتلك وبأنّني حرصت على إخفاء معلوماتي عنهم طيلة التّحقيق. كانوا يريدون تصريحا بأنّني عبرت الحوض المنجميّ أثناء رحلتي، وبأنّني كنت عندها قد استعدت وعيي تماما، وصرت أميّز الشّمال من الجنوب والشّروق من الغروب، وبأنّني، حين حللت بالرّديّف، وجدت المدينة تغلي غليان بركان، وبأنّني، لخبرتي الطّويلة بالبطالة والخصاصة وانسداد الآفاق، كنت أفهم جيّدا تلك الأناشيد التي كانت تردّدها الجموع.
وماذا أيضا ؟
هل كان عليّ أن أقول لهم أيضا، إنّه كان يمكنني أن أنضمّ إلى هؤلاء الغاضبين وأن أغنّي معهم كلّ أناشيدهم لو لم أكن منشغلا بالبحث عمّن يأخذ منّي بوصلة سيدي النّا... أو يقرّبني بضع كيلومترات من تازغران ؟ أم هل كانوا ينتظرون أن أبيعهم جلد سفيان الجريدي، فأقول إنّه تعرّف عليّ وكأنّنا بقينا على صلة بعد تخرّجه من الجامعة، وأنّه أنقذني من موت محقّق وآواني حتّى شفيت ؟
ماذا كانوا يريدون منّي أن أقول ؟
أنا لم أكن أكذب حين قلت إنّني نسيت، أو إنّني مررت بما يشبه بؤرة سوداء، تتّخذ اليوم شكل صفحةٍ مُحيت تماما من ذاكرتي. ولم أكن أبدا أخشى من قول كلّ الحقيقة في ما يخصّني. فما الذي كان يمكن أن ينالني منهم، أكثر ممّا نالني حتّى الآن ؟ وما الفرق بين السّجن الذي كانوا يعدّونه لي، وبين زنازين الصّمت المطبق التي لجأت إليها باختياري ؟
لم أكن أكذب، ولكنّني رأيت الشّهامة تتحرّك في سفيان يوم رأى أولائك الرّهط ينهالون عليّ بالعصيّ الغليظة. في ذلك اليوم، اختار أن لا يتأخّر عن غوثي إذ لجأت إليه، رغم أنّه كان يشتغل بالسّياسة، ويعرف قدرة خصومه على قلب الحقائق وتحويل الهبوب لنجدة بريء، إلى خرق لقواعد الانضباط والتحاق بصفّ الخصم.
هذا رجل أدين له بما بقي من حياتي. فكيف إذًا لا أردّ الشّهامة بقدر أدنى من الشّهامة ؟ كيف أفشي سرّ من أحسن إليّ، وأعرّض مستقبله للخطر ؟
قد أكون نطقت باسم سفيان الجريدي أو كريم أولاد بالعيفي، بفعل الخطأ أو التّسرّع، حين كنت أحاول جاهدا أن أتذكّر الظّروف التي قابلت فيها بشرى التّوكابري. ولكنّني نجحت في أن لا أقول لهم شيئا عن بيت أخت سفيان في الرّديّف، ولا عن ورشة ابن أخته في حومة وادي الباي، ولا عن صديقه الطّبيب الذي ظلّ يزورني هناك أكثر من أسبوع ويداويني حتّى شفيت، ولا عن تلك الليلة التي سطّر خلالها سفيان هروبي من قفصة إلى القصرين، خشية أن يكتشف أمري، بعد أن سمع بعضهم غنائي فوشى له بابن أخته، بدعوى أنّه قضّى كامل الليل يسكر في ورشته مع شباب من العاطلين، ويغنّون أغاني الحضرة ويقضّون مضاجع الجيران.

*****

لست أذكر من قالها عنّي عندما كنت صغيرا. ولكنّني لست بهلولا، ولا "نيّة"، وأعرف أين يخفي الشّيطان بيضه قبل أن يفقس. أنا من خطّطت لأجيء إلى هنا. ويخطئ تماما من يعتبرني غافلا أو يتصوّر نفسه خدعني أو أدخلني إلى حيث لم أكن أرغب في الدّخول. فأنا ولد الرّبط. ولا يعرف هؤلاء الأطبّاء معنى أن يكون أحد ما ولد الرّبط، وولد باب تونس تحديدا. هم يقولون إنّني من أوقعت نفسي في المرض، وإنّ أصل دائي أنّني اندمجت في الدّور وأنا أتظاهر بالجنون إلى درجة أنّني جننت فعلا. ولكن، أليس هذا بالضّبط ما كنت أوحي لهم بأن يقولوا عنّي ؟ أليس اعترافهم بجنوني دليلا على أنّني كنت أذكى منهم، وعلى أنّ حيلتي انطلت عليهم جميعا، وعلى أنّ الذي يقدر على اكتشاف سرّي، مازالت أمّه أصغر من أن تحبل ؟
ما أزال إلى اليوم سليما لا علّة بي، عدا بعض أوجاع الرّأس من حين إلى حين، بسبب تلك الضّربة التي تلقّيتها على دماغي في ذلك اليوم المشؤوم. هذا ما لم يفهموه وما لن أعترف به أبدا، ولا حتّى في شكل سرّ أفضي به لأطبّاء القصر المنيع. فمنذ قرّرت أن أصوم نهائيّا عن الكلام، هزمت الجميع بالضّربة القاضية. اتّخذت الصّمت سلاحا فكان أنجع سلاح. كلّ اللعبة تتلخّص في أنّني أسكُتُ وكأنّني لا أسمع ما يقولون، وأرخي كامل عضلات وجهي حتّى لا يقرؤوا عليه أيّ تعبير، وأذبّل جفوني حتّى أبدو كئيبا، وأنظر إلى البعيد، من حين إلى حين، لأتابع طيران فراشتي. وينتهي الأمر. فإذا هم جميعا في الفخّ يصدّقون جنوني. وإذا أنا أحلم دائما، فلا يقدرون على منعي من التحليق كما أشاء، خارج مكانهم وبعيدا عن زمانهم.
بفضل صمتي، انتصرت على جماعة التّحقيق حتّى تركوا سبيلي. وبفضله، ظفرت بالنّقلة من السّجن إلى هذا القصر دون أن أطلب شيئا من أحد. حقنة في الصّباح، وثلاث حبوب أبتلعها مع الأكل على مدى اليوم. ذلك كلّ ما أدفعه مقابلا للإقامة في هذا القصر المنيع. كلّ يوم أخرج إلى هذه الحديقة الشّاسعة وأظلّ أتجوّل فيها بخيال حرّ سابح في الملكوت، أتابع بعينيّ فراشتي، أنيسة وحدتي، وهي تطير متنقّلة بين الأغصان، تنتظر معي الرّبيع وتحلم بالزّهور، و ترفرف مع السّحب عاليا في الأفق البعيد.

*****

ماذا كانوا يريدون منّي أن أقول ؟
وبماذا كانوا يريدونني أن أعترف ؟


لو كانوا أذكياء لكلّفوا واحدا منهم بالنزول إلى زورقي ليتثبّت من صحّة ما قلته لهم، ولتفطّنوا حينها، بمجرّد لمس المحرّك، إلى أنّه كان ما يزال حاميا وإلى أنّني لم أوقفه إلاّ حين رأيت خافرتهم قادمة في اتجاهي على بعد ميل أو أقلّ. ولكنّ تظاهُري بعدم رؤيتهم، وانسجامي الكامل مع أغنيتي "يا قمرة الليل"، ثمّ امتثالي حين رموا لي حبلهم وأمروني بربط زورقي إلى خافرتهم... كلّ هذا جعلهم لا يصلون إلى مرساهم إلاّ وقد برد محرّكي وصار بوسعي أن أدّعي كلّ ما أريد دون أن يكون لهم أيّ دليل على كذبي.
أنا لم أكن أكذب حين قلت إنّني ما فكّرت أبدا في "الحرقان". لم أكن أكذب. ولكنّ أيّ شخص في مكاني، كان سينتهز مثل تلك الفرصة ويطمع في بلوغ الأفق. فكلّ الظّروف اجتمعت لتمنحني في يقظتي ما كان يعزّ على الآلاف من أمثالي حتّى في الحلم. خبرة بقيادة الزّوارق وليلة قمراء ورؤية واضحة وبحر هادئ وزورق جاهز للإبحار لا ينتظر منّي أكثر من الخروج من مغارتي البونيّة، وقطع بضع خطوات قبل الارتماء في المركب وتشغيل المحرّك ثمّ اتّباع النّجمة القطبيّة.
ما فكّرت أبدا في الحرقان. ولكنّ فراشتي استقرّت في الزّورق قبلي وأبت أن تتزحزح عنه. ثمّ إنّني، حين حسبتها بالعقل، وجدت محاولة قطع الحدود خلسة على زورق لي وحدي، أقلّ خطرا من البقاء حيث كنت، حيث كان يمكن للحارس أن يتفطّن إلى وجودي، وكان يمكن لأعوان صاحب الحمار أن يلتحقوا بي فيفعلون بي ما هدّدوني بفعله. حتّى سقف المغارة كان يمكن أن ينهار على رأسي فينقطع نفسي تحت الماء والرّكام معا.

*****

... وحدي واقف، رغم البرد القارس، وسط حديقة القصر المنيع. أتأمّل فراشتي وهي تتشبّث بعشبة، تلتصق بالأرض ولا تريد أن تنفصل عنها. أحاول رفع عينيّ إلى السّماء علّ فراشتي تتبع رغبتي في التّحليق. ولكنّها تظلّ قابعة في الأرض لا تريد أن تطير، فيضطرّ بصري إلى الارتداد إلى الأسفل حتّى لا يضيع عنّي أثرها.
أحيانا، أسأل نفسي، وأنا أتألّم من وخز الحقنة، أو أعجز عن تجرّع حبّة الدّواء فتذوب مرارتها على لساني قبل أن أتوصّل إلى ابتلاعها، أتساءل إن كان جنوني كذبة صرفا كما أعتقد، أم إن كان في بعض وجوهه حقيقة ثابتة. ولأفترضْ جدلا أنّه في بعض وجوهه حقيقة، فمن أين يمكن أن يكون مأتاه ؟ هل أصابني بسبب أنّني أضعت بوصلة سيدي النّا... ؟ هل أصابني لأنّ هذه البوصلة، كما تقول أختي رشيدة، هي في الأصل وهم ابتدعته ثمّ صدّقته ؟ أم هل يكون ذلك بسبب خصومتي مع خدّوجة الجعيّد التي ما تزال غاضبة عليّ، ومع صوّانة التي تخلّت عنّي تماما ؟ أم هل هو الشّوق إلى عيشوشة التي لم تعد تأتي لزيارتي ولا حتّى في الحلم ؟
أحيانا يتهيّأ لي أنّني، إن كان بي ذرّة من الجنون، فالسّبب لا هذا ولا ذاك، وإنّما افتقادي الشّجاعة اللازمة للتّوقّف والنّبش في الرّمل عميقا حتّى العثور على حجيرة الصّوّان السّابعة، تلك التي انتزعها المقدّم عبد الحفيظ من دماغي. فقد كان الحلم رؤيا واضحة المعالم مبشّرة بكلّ الخير. وكنت أكاد أفهم تأويله دون حاجة إلى مساعدة خدّوجة الجعيّد.
كان الحلم رؤيا، جُبْني وحده حوّلها إلى كابوس.


... وحدي على ساحل الهوّاريّة أجري، تغمرني نشوة الشعور بالنّجاة. أجري وكلّي ثقة بأنّ الحظّ أصبح حليفي. فحتّى الشّاطئ الصّخريّ بدأ يتحوّل تحت خطاي إلى رمل ناعم يذكّر بشاطئ القرّاعيّة. وفجأة رأيت حجيرة الصّوان السّابعة. كانت تلمع على مسافة قصيرة منّي. تجاوزتها قليلا، وكان يمكنني أن أتوقّف عن الجري، وأعود بكلّ هدوء لألتقطها. ولكنّني تذكّرت أن أتباع صاحب الحمار مازالوا يلاحقونني. فالتفتّ وارتميت على الحصاة بلهفة. فإذا أنا أسقط قربها وأردمها بالرّمل. فأخذت، من خيبة أملي، أنبش الرّمل كما اتّفق. وحين بدا لي أولئك الهمج من جهة الهضبة، يجرون في اتّجاهي كموجة عارمة، غلبني اليأس فتوقّفت عن النّبش وعدت إلى الجري لأهرب منهم مرّة أخرى. ولكن هيهات أن يعود الرّمل النّاعم إلى هذا الشّاطئ. فقد تحوّل الحلم إلى كابوس. وعاد الشّاطئ صخريّا، يدمي وخزه رجليّ الحافيتين.
*****
... جالس وحدي على فراشي أنظر من شبّاك القاعة. كلّ المرضى نيام. والقمر يداعب بشعاعه أشجار حديقة القصر المنيع وهي أيضا نائمة. جالس وحدي على فراشي، يتمنّع عنّي النّوم وتتدفّق في ذهني الذّكريات.
... للوصول إلى تازغران، أشار عليّ بعض الشّبّان بسلوك طريق بدّار. وهي طريق طويلة وملتوية. وهناك إنّما عثرت على أنيستي. هناك برزت لي فراشتي الحبيبة من وراء طابية الهندي، وأخذت ترفرف حولي ثمّ تسبقني وتتوقّف من حين إلى حين لانتظاري. أخذت أتأمّل طيرانها، واعيا بأن حضور فراشة في عزّ الشّتاء حدث استثنائيّ. شيء ما في رفرفة جناحيها كان يقول لي إنّها لم توجد إلاّ من أجلي أنا، ولم تطر لغيري أنا. لذلك تبعتها ورحت أتوقّف كلّما توقّفَتْ، وأعود إلى الوراء كلّما خطرت لها العودة من حيث جئنا، حتّى استطال بنا الطّريق إلى تازغران وتمطّط.
... ظللت أقتفي أثر فراشتي حتّى ابتعدنا عن منزل بوزلفة. فإذا نـحن أمام مدخل ضيعة. وإذا رجل يعرض عليّ الانضمام إلى عمّاله لجني البرتقال. وإذا الفراشة تسبقني إلى داخل الضّيعة دون استشارتي. لم أرفض العرض ولكنّني لم أقل إنّني قبلته. فقط، تبعت فراشتي إلى الدّاخل حتّى حطّت على شجرة يتدلّى من أحد أغصانها برتقال مسكي في شكل عنقود. أجل عنقود مسكي، حبّاته أكبر من حبّات البرتقال العاديّة وشكله كأنّه عنقود عنب. ظللت أتأمّل العنقود ساعتين أو أكثر، والفراشة تحوم حول حبّاته، وأنا أبتسم لها وهي تطير وتحطّ على لطخات الضّوء التي ترسمها أشعّة الشّمس على كلّ واحدة من برتقالاته. حتّى تفطّن صاحب الضّيعة إلى أنّني لم أقطف برتقالة واحدة. وقف أمامي، وبقي هنيهة ينظر إليّ بعينين واسعتين متعجّبا من استغراقي في تأمّل ذلك العنقود بالذّات. ثمّ قصّه فأهدانيه وسرّحني. فإذا فراشتي تخرج من الضيعة. فأكاد أسمعها تضحك متواطئة معي. وأظلّ أقهقه، أنا الآخر، بصوت مرتفع.


... شيء ما، في شمس ذلك اليوم، كان يشقّ الدّماغ رغم شدّة البرد. فرأسي بدأ يؤلمني وبدأت أتعب من فرط السّير. لذلك، فحين لحق بي شيخ يركب حمارا، لم أتردّد في أن أستوقفه وأتوسّل إليه أن يركبني وراءه ولو لبضع أمتار. فما كان منه إلاّ أن فاجأني بالنّزول من على ظهر الحمار وتركه لي قائلا :
- أنا وصلت، يا وليدي. فدونك الحمار. اركبه. وحين تصل، قل له أن يرجع وسيرجع وحده.
- أنت طيّب يا سيّدي، قلت. ألا تخاف من أن أسرقه منك؟
- لن تستطيع، قال، فهذا حمار مرسل. والحمير المرسلة نتمتّع بها ونتركها تعود لشأنها. هذا الحمار سُلّم إليّ كما أسلّمه إليك الآن. لقد كنت متعبا، فسألت شابّا في مثل سنّك أن يركبني خلفه. ولكنّه نزل عنه وقال لي تماما مثل ما أقول لك.
... هل يمكن أن يكون كلّ هذا صدفة لا غير ؟ بدأت أشكّ في أنّني في حلم لا في يقظة. ولكنّني من فرط التّعب تمنّيت أن لا أستيقظ. ركبت الحمار فانطلق بي. ورأيتني يأخذني النّعاس. فاختلط حلمي بالحمار بأحلام أفرزها نومي على ظهر الحمار. ولم أنتبه إلاّ والدّابّة تقف بي أمام بناء مهجور وسط مرج مزروع حبوبا. كانت الشّمس إلى غروب. فقلت في نفسي، هذا بيت يمكن أن يصلح ملجأ لقضاء الليلة وسأرى بعد ذلك ما يمكن أن أفعل. في تلك اللحظة ظهر إلى جانبي رجل يسألني إن كان يمكنه أن يركب معي بعض مسافة. فقلت له ما قال لي الشيخ. ونزلت عن الحمار. فركب هو دون أن يقول لي شيئا. وانطلق بالدّابّة في الاتّجاه الذي منه أتيت.

*****
أحلام... ذكريات... ذكريات أحلام...
... تطول الليالي في القصر المنيع ويطول السّهاد. ويطول الطّريق إلى تازغران ويلتفّ حول الجبال ليعود إلى نقطة الانطلاق، فلا أصل أبدا إلى قريتي الحمراء. تتعدّد الليالي وتتشابه. أبيت ليلة تحت قنطرة وأخرى في مخزن مهجور، وما أكثر الخرائب بين هذه التلال الخضر. أنام لأستيقظ على رفيف جناحي أنيستي. توقظني ثمّ تسبقني فلا نكاد نصل إلى الطّريق الكبرى حتّى يظهر الحمار. وحين أركب، تظلّ فراشتي تحوم حولي كما لتذكّرني بأنّ كلّ انطلاق إلى وصول وبأنّ الرّبيع ولا ريب آت ليدحر الشّتاء.

... يطول الطّريق. فيهدّني الإعياء. وأشعر بأنّ حلمي يطول ويثقل ويتشعّب ويتمطّط، بينما نبضات قلبي المتعب من هذا السفر تدعوني أَنِ اسْتَيْقِظْ قبل أن تقضيَ من السعال والحمّى. أصرخ بين الجبال"اقرصيني يا أميمتي" ولكن ما من مجيب. يظلّ الليل والنّهار يتواليان عليّ، وأنا في نفس اللحظة الزّمنية، أو هكذا يبدو لي. حمار يحملني ويركض بين نفس التّلال. لا أنزل من على ظهره إلاّ ليأخذه منّي راكب جديد. ولا أستيقظ من نوم جديد إلاّ لألقاه من جديد. فراشتي هي الأخرى بدأت تتعب ولكنّها بقيت على وفائها لي تلازمني كظلّي. أو لعلّني أنا من ألازمها.
أحلام... ذكريات... ذكرياتُ أحلام... نتف من أحلام تتوالى، يربط بينها حمار. إلى أن وجدتني، في منعطف حلم، أشرف أخيرا على البحر من أعلى هضبة. كدت لرؤيتي صفحة الماء أنفجر فرحا وأرفع صوتي عاليا بالغناء. ولكنّني توجّست خيفة في الحين، فالتفتّ. فإذا جماعة شداد يحملون عصيّا غليظة ويمشون وراء الحمار. همزت الدّابّة حتّى تحثّ السير ولكنهم مشوا على وقع خطى الحمار تماما. ثمّ التفّوا بي وحاصروني من كلّ الجهات. قالوا إنّهم جماعة صاحب الحمار. وإنّهم تعبوا من البحث عنّي حتّى عثروا عليّ أخيرا. وإنّ صاحبهم عازم على عقابي على سرقة حماره الشّخصيّ، وإنّ عليهم أن يأخذوني إليه حتّى يصنع بي في فراشه ما يصنعه بزوجته.
... عبثا ناديت خدّوجة الجعيّد حتّى تقرصني فأستيقظ. وعبثا تخبّطت بين أيديهم القذرة صائحا بأنّني لم أسرق أبدا أيّ شيء... ثمّ لم أدر كيف جرت على طرف لساني مقولة "أبي هريرة" المسعدي. فقلت لهم "أوهكذا يزنى الدّهر بالأمل البكر؟". فإذا بي يتهيّأ لي أنّني أعيش مرّة أخرى أحداث "حديث الكلب". فتغمرني الشّجاعة وأصيح فيهم : "دعوني ... يا أوضع من وهاد... يا أضعف من عباد ... يا أحقر من بعوض، يا بني الإنسان".
... وفتحت عينيّ. فإذا الليل من حولي سكون. وإذا أنا في مغارة بونيّة على رشم الماء يهدّد سقفها بالسّقوط على رأسي. نظرت إلى الخارج فإذا الليلة مقمرة وإذا على مسافة خطوات منّي زورق مطّاطيّ مربوط بحبل إلى صخرة. وفجأة رفرفت الفراشة أمام عينيّ ثمّ سبقتني إلى الزّورق. وتسارعت الأحداث. فلم أدر كيف وجدتني بدوري في الزّورق وكيف انطلقت مبتعدا عن اليابسة. التفتّ فإذا عشرون نفرا أو ما يزيد. كلّهم يخرجون من المغاور البونيّة حيث كانوا مختبئين. خلتهم في البداية من أعوان صاحب الحمار. ولكن هل كانوا ينوون الحرقة على هذا الزّورق الذي يتّسع بالكاد لخمسة أنفار منهم ؟


المهمّ أنّ الحظّ ساق مركبتهم إليّ لتكون من نصيبي وحدي. ومن يدري، ربّما أكون قد أنقذتهم هكذا من موت محقّق.

الهكواتي .../... يتبع

2009-02-13

بوصلة سيدي النّا... 20 نخلة وادي الباي

سنتي على جناح السّرد 50 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 20 من 23– 13 فيفري2009



المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الثانية :

نخلة وادي الباي



"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي



هذه بعض مقتطفات، صيغت في شكل يوميات، من كنش مذكّرات للأستاذة شين باء ميم، محامية المتّهم محمّد الأمجد بريقشة.

قفصة - الأربعاء ظهرا :


أنا في قفصة، حيث تحوّلت كما تحوّل عديد الزّملاء لحضور محاكمة الحوض المنجمي. اغتنمت فرصة إقامتي هنا للاتصال بالسيّد سفيان الجريدي، أستاذ اللغة العربية ومسؤول فرع اتّحاد الطّلبة السّابق، الذي ورد ذكر اسمه في تصريحات موكّلي محمد الأمجد بريقشة. ذهبت دون سابق اتّصال، بعد أن دلّني زميل على كيفية الوصول إليه. فطرقت باب مكتبه في المصلحة الإدارية التي يشتغل بها، ملحقا من سلك التّعليم. ولأنّ موضوع زيارتي لم يكن ذا علاقة بشغله، فقد اتّفقنا على موعد في وقت آخر. وجاء حسب الاتفاق.
أوّل ما ألاحظه في السّيد الجريدي تقيّده بمواعيده. وهذه وحدها خصلة نادرة في هذا الزّمن. ثم إنّه بدا لي، إلى جانب هذا، خيّرا ومتخلّقا وواقعيّا ومباشرا. قال لي بصراحة إنّه شكّل لنفسه رأيا خاصّا في المحاكمة التي تحوّلت وزملائي من تونس مخصوصا لحضورها، وإنّه يريد أن يحتفظ بآرائه لنفسه. وأضاف بكلّ وضوح أنّه كان دائما وما يزال رجلا مساندا للنّظام ومناضلا منضبطا. ذلك أنّه يشتغل بالسّياسة ويعرف أنّ هناك من يقف له بالمرصاد لتصيّد أدنى خطأ يقوم به، ولا يريد أن يُصيب أيُّ ضررٍ مسيرتَه بسبب حركة إنسانيّة أتاها أثناء الأحداث.

هكذا فسّر السّيد الجريدي رفضه القاطع الإدلاء شكليّا بأيّ شهادة في قضيّة موكّلي. ولكنّني شرحت له حساسية الوضع النّفسي الحرج الذي يعيشه محمّد الأمجد بريقشة، وحاجتي العاجلة لمعلومات حول مرحلة من جولته ضاعت آثارها تماما من ذاكرته، لعلّ فيها الدّليل القاطع على براءته. وحين تأكّد من إصراري على الوقوف إلى جانب موكّلي حتّى آخر رمق، مهما كان الثّمن، أبدى تفهّمه. وطرح عليّ السّؤال عمّا إذا كان يمكنه أن يثق بي.
وعدته بأن أحفظ سرّ حديثنا، وأن لا أكشف أبدا مصادري، ولا أستعمل ما قد يفيدني به من معلومات إلاّ في ما يخدم مصلحة موكّلي. واسرّ لي عندها بأنّ الصّدفة جمعته فعلا بمحمّد الأمجد بريقشة في الرّديّف، أوائل شهر جوان. ولكنّ ضغط الوقت جعلنا نـحدّد موعدا لمقابلة جديدة يحدّثني فيها عن ظروف هذا اللقاء.

*****
قفصة - الخميس زوالا :
يؤكّد السيد الجريدي أنّه رغم سطحيّة معرفته السّابقة بموكّلي، ورغم طول الفترة التي لم يره خلالها، فقد تعرّف عليه بمجرّد أن رآه.


"كنت في بيت أختي - قال - حين سمعت ضجّة جلبتني نـحو نافذة الطّابق الأوّل. في الحال تعرّفت على بريقشة الذي كان يصيح بينما كان أخرقان يضربانه بعصاتين غليظتين ويحاولان إقناعه بأنّهما إنّما يعملان هكذا على إخراج شيطان متملّك بـجسده. أمّا هو فكان يحاول أن ينهض متثاقلا ليغنّي "الورد جميل"."
نعم -أضاف السّيد الجريدي- قد يبدو هذا المشهد غريبا ولكنّ ذلك بالضّبط ما رأيت وما سمعت. وإلاّ فإنّني ما كنت لأتدخّل أبدا. بعيد عنّي الادّعاء بأنّ تدخّلي هو الذي أدّى إلى تخليصه من الأخرقين، وهما – حتّى أكون واضحا - لا يمتّان بأيّ صلة لرجال الشّرطة. فما إن نزلت الدّرج وخرجت من البيت حتّى رأيتهما يهربان دون أن أجد لهروبهما أيّ تفسير. نظرت فإذا جموع رهيبة من الشّباب والمراهقين تبدو قادمة من بعيد وهي في حال هيجان وصياح. فما كان مني إلاّ أن سحبته إلى داخل البيت حتّى مرّت الجموع وابتعدت.
"قال لي - قال - إنّه كان يتألّم وإنّه غريب عن البلدة وقد وجد فيها بمحض الصّدفة وإنّه كان يبحث فقط عن أيّ صاحب سيّارة متّجه إلى الشّمال للرّكوب معه. الحمد لله أنّنا حين خرجنا، وجدنا سيّارتي سليمة كما تركتها. سلكت بعض الأنهج الضّيّقة لأبتعد عن السّاحات الكبرى ثمّ انطلقنا في اتّجاه قفصة.
"كان بريقشة مضروبا على قفا رأسه- تابع محدّثي - وكان جرحه يبدو سطحيّا، ولكنّه كان يشكو من الدّوار. وكان بعض دم يبلّل شعره ويسيل على رقبة قميصه. فأعطيته مجموعة من المناديل الورقيّة ليضغط بها على مكان الجرح في انتظار أن نخرج بسرعة من المدينة ونجد صيدليّة في أقرب قرية تعترضنا. وحين توقّفنا، كان الجرح قد انتفخ. عرضناه على الصّيدليّ فاكتفى بتنظيفه وحصره بضمادة. وطلب منّا الذّهاب إلى طبيب في الحال."
وأضاف السيّد الجريدي : "كان بريقشة طول الطّريق يسعى إلى الدّخول معي في حوار. كان يريد أن يعرف ما إذا كنت أشتغل وفي أيّ مجال. ولكنّني كنت أتركه يتكلّم وأتحاشى الجواب. كان يقول كلاما واضحا مرّة ويغمغم بشتات كلمات غامضة مرّة أخرى. حدّثني عن بوصلة وعن بحّار وعن رحلة نـحو الشّمال. وكان يتكلّم كما في حلم، بأسلوب مفكّك وكلمات متقاطعة. كان حديثا أشبه بشريط سينمائيّ سريالي. فقد كان يصيح من الألم ثمّ يصدح مباشرة بأغنية "الورد جميل". وكان في صوته من العذوبة ما يعمّق شعوري بمأساته. ولكنّني رغم اقتناعي بنبل حركتي الإنسانيّة، فقد شعرت فجأة بالخوف من أخذه إلى المستشفى. فمن يدري ؟
وكلّما اقتربنا من قفصة – يضيف مخاطبي – كلّما زاد ندمي على أنّني حاولت إنقاذه. حتّى أصبحت متردّدا في الدّخول إلى المدينة. أمّا بريقشة فكان يهمد برهة ثمّ يهبّ فجأة من فرط ألمه ليخاطبني بصوت من يوشك أن يفقد وعيه. كان يطلب منّي المساعدة، ويناشدني أن آخذ منه البوصلة إن كنت أنا صاحبها. ثمّ يهمد قليلا. ثمّ يقول: "خذني إلى الشّمال".
"حين صرنا على بضع كيلومترات من قفصة - قال - شعرت به يهوي إلى الأعماق وخشيت عليه من الغيبوبة. فأنزلته من السّيّارة لأنشّطه وأساعده على التّنفّس العميق. سألته إن كان يقصد القيروان. فأشار برأسه أن لا. "طيّب هل تقصد القصرين ؟" سكت تماما. ووجدت أنّه يستسلم تماما للإغماء، فأعدته إلى السّيارة وانطلقت. ومن فرط ارتباكي، دخلت مباشرة في مسلك يقصّر المسافة إلى القصرين.


"حين وصلنا – أضاف محدّثي - فكّرت في أن أتركه في مقهى وأنصرف. وفعلا توقّفت به عند أوّل مقهى. وهو عبارة عن محلّ متواضع لم يكن به من الحرفاء سوى ثلاثة، كلّهم من الشّبّان. هرعوا إلينا في الحال فأجلسناه على كرسيّ وأتينا له بماء بارد غسلنا به وجهه. ولكنّه بقي غائبا عن وعيه. شرحت لهم أنّني على عجلة من أمري، وأنّه عليّ أن أنصرف في الحال. أمّا عن بريقشة، فقلت لهم إنّه مجهول وجدته ملقى على قارعة الطّريق في مخرج المدينة، فعدت به إليهم لعلّهم يساعدونه في العثور على عائلته.
وقبل أن أنصرف - يقول محدّثي ختاما - وصل شابّ بمحض الصّدفة. فتعرّف عليه، وتطوّع للاهتمام به، ووعدني بالتّصرّف لأخذه إلى طبيب. فتركته بين يديه وعدت إلى هنا لا أدري إن كان عليّ الشّعور بالارتياح لتخلّصي من مصيبة كانت ستحلّ بي، أم بالذنب لأنّني اعتزمت فعل الخير ولم أجرؤ على الوصول به إلى منتهاه.
ختاما، سألت السّيّد الجريدي إن كان يذكر اسم أحد من الشّبّان الذين ترك لهم الاهتمام بمحمّد الأمجد بريقشة. فقال إنّه لا يذكر الأسماء وإنّما فهم أنّ الذي تطوّع للاهتمام به كان شاعرا. وأنّه إنّما كان يفعل ذلك اعترافا بجميل بريقشة الذي كان قد أخذ بيده حين كان طالبا، ونشر له قصائده في مجلّة كان يصدرها نادي الأدب بكلية الآداب.

*****

قفصة – مقهى نخلة وادي الباي – الجمعة مساء :
......................................
... ثمّ لم أدر كيف عاد بنا الحديث إلى محمّد الأمجد بريقشة. فأفادني سفيان بأنّه لم يلاحظ أيّ خلل على ذاكرته في البداية. حيث تذكّره جيّدا هو الآخر رغم أوجاعه. بل إنّه تذكّر حتّى نادرة حصلت لهما في أوّل لقاء جمعهما بمشرب كلّية الآداب بمنّوبة منذ ما يقارب العشر سنوات.
كان سفيان في آخر سنة من دراسته بالكلّية، حين عرف محمّد الأمجد بريقشة وهو في أوّل سنة له هناك. بعد إلحاح منّي، روى لي سفيان الطّرفة التي حصلت له مع موكّلي، فأثّرت فيه تأثيرا بالغا وجعلته لا ينساه أبدا. قال:
"كان بريقشة في المشرب مع ثلّة من رفاقه حين تقدّمت منهم واقترحت عليهم الانخراط معنا في صفوف طلبة الحزب. فكان جوابه غاية في الطّرافة. قال لي : " كلّنا منخرطون في حزب الخبزيست. ولكن عندي لك اقتراح. من المفروض أنّك أكثر منّا ثقافة، ما دمت في السّنة النّهائيّة. كما يعرف عن جماعة قفصة الذين أعرفهم جيّدا، أنّهم يحبّون السّينما وأنّ ثقافتهم في هذا المجال عريضة. لذلك أطرح عليك سؤالا في السّينما. فإن كان جوابك صحيحا، فإنّني سأنخرط معك دون قيد أو شرط، وربّما انخرط الجماعة أيضا. ولكن إذا أخطأت فلا أطلب منك إلاّ أن تدعنا وشأننا ولا تعد لطرح مقترحك على أحد منّا وإلاّ فإنّني، والله، سأشكّل قائمة تدخل الانتخابات باسم حزب سيدي بلحسن الشّادلي. ولأنظّمنّها حملة بهزيم البنادر. وسترون كيف نفوز بكلّ مقاعد مجلسكم العلميّ."
وأضاف سفيان ضاحكا، محاولا تقليد صوت وحركات محمّد الأمجد بريقشة :
"كان عليّ أن أجاريه، لأرى إلى أين يريد الوصول. فإذا به ينظر إلى ساعته ويقول : "الساعة الآن الثامنة وعشرين دقيقة. فهل تعرف إن كان يوجد شريط سينمائيّ عنوانه "ثمانية ونصف" ؟ وإذا كان جوابك نعم، فمن هو مخرجه ؟" فضحك الجميع وكان يظهر عليهم أنّهم مثلي لا يعرفون الجواب. فأضاف هو ناطقا العنوان بالفرنسيّة "8.5 هذا معدّل لا يمنح الحقّ في الإسعاف في آخر السّنة". فقدّرت أنّها فذلكة منه. وأجبته بأنّ مثل هذا الشريط لا يكون إلاّ من محض إنتاج طرافته وبأنّني أعده إن كان عنده اطّلاع على السّينما بأن أقترحه لتنشيط نادي السّينما المزمع إحداثه بالكلّية.
وتابع سفيان : ولكنّ جوابي كان خاطئا، فأعطاني بريقشة من الذّاكرة كلّ المعلومات المتعلّقة بهذا الشّريط. وطلب منّي أن أتثبّت من أمر وجوده الفعلي، مساء ذلك اليوم بالذّات، بمتابعة برنامج السّلسلة المخصّصة للسينما الإيطاليّة على إحدى الفضائيّات المختصّة في بثّ الأفلام الثّقافية.
وأضاف :
لم يهدأ لي بال قبل أن أشاهد "Otto e mezzo"، هذا الشّريط الذي أنتج قبل ولادتي بثلاث عشرة سنة، والذي بثّ تكريما للمخرج فيديريكو فلّيني ولممثّله الأيقونة مارشيللو ماستروياني. وهكذا إنّما وجدتني أصاب بعدوى حبّ السّينما بسبب فذلكة محمّد الامجد بريقشة. وطبعا، أوفيت بوعدي بعدم العودة لدعوته إلى الانخراط في المنظّمة الطّالبيّة. ورغم مساندتي ترشّحه لتنشيط نادي السّينما، فلا هو ولا رفاقه أدلوا بأصواتهم في انتخابات المجلس العلمي.



*****


قفصة – السبت - السادسة صباحا
اليوم أفقت باكرا. أحسستني مشدودة إلى سفيان، بل معجبة بنضجه السّياسي، مقتنعة بإستراتيجيته وبمقاربته للأمور. وبحركة شبه آليّة، طلبته بالهاتف لأودّعه قبل الانصراف إلى العاصمة. ولكنّه أصرّ على أن أشرب قهوة الصّباح معه.قبل أن نفترق طلب عنواني الشّخصي وعنوان المكتب الذي أشتغل به. قال إنّه يريد أن أكون ذات يوم خارجة من العمل أو راجعة إلى البيت فأجده فجأة أمامي...
من يدري ؟ مكتوب...



الهكواتي .../... يتبع