2009-03-06

بوصلة سيدي النّا... 23 ميراث ميارى

سنتي على جناح السّرد 53 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 23 من 23– 06 مارس2009


المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الخامسة :

ميراث ميارى

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. ينتهي مفعول المنوّم وأنا في فراشي أرفض فتح عينيّ مصرّا على ارتشاف جرعة نوم أخيرة، ربّما أصبت بها حلما جميلا أو رؤيا تحمل بشرى الرّبيع.
لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. منذ استقرّ بي المقام هنا، لم أعد أعرف طبيعة أحلامي ولا أفرز كوابيسي من كوابيس بقيّة النّزلاء. أفلت منّي زمام الحلم من حيث هو لذّة، فتركتني الحياة نهائيّا في القصر المنيع وأخذت تبتعد عنّي، تجدّ في سيرها نـحو جبال مزهرة بالثّلج وطيب العيش، لا يغيب عنها الرّبيع أبدا.


لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. والنّاس من حولي يتجمّعون بالمئات، يختطفون الزّوارق من المواني ويركبون البحر إلى المجهول، والحياة لا تني تدير لهم ظهرها، فتغرق بعضهم قبل الوصول، وتحبس بعضهم في سجون الشّمال يحرقونها ويحترقون داخل زنازينها. ثمّ يعود بعضهم الآخر من نفس المسلك إلى اليابسة مكبّلين في السّلاسل.
لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. وقد صرت أخاف.
أخاف كلّما ابتدأ حلمي بمشهد الزّهور وصدّقت مثل هذا الفأل المبشّر بالفرح. فكلّما صدّقت كلّما كان فرحي أكبر، وكلّما كبر فرحي كلّما كانت نهاية حلمي كابوسا أفضع من كلّ الكوابيس.

*****

...نائم تحت القنطرة أحلم بأنّني أحلم. أرى سيدي النّا... يهديني باقة ورود ثلجيّة البياض. يضع على رأسي يده، يتحسّس الحمّى متألّما لألمي، ثمّ يطبع على جبيني قبلة طويلة ويقول :
- "الحمد لله على سلامتك يا مجدة. أنا فخور بك. ستنتهي الحمّى، ولا يبقى غير ذكرى نجاحك في الامتحان"
... ويبتعد عنّي سيدي النّا...، مشيرا إليّ بسبّابته أن أتبعه. أجري وراءه بين التّلال، وقلبي مفعم بالفرح. يغيب عنّي سيدي النّا... في غاب كثيف الأشجار. هناك، أجدني في طريق معبّدة. على حاشية الطّّريق علامة مرور تشير بخطّ عريض إلى "تازغران". تتضاعف فرحتي. أجري وأجري حتّى أتخيّلني بطلا أولمبيّا. أعبر قنطرة ضيّقة على مجرى وادي هزيل. أكتشف القرية الحمراء بمساكنها البيضاء النّاصعة، فأجد بطحاءها مليئة بالجماهير تحمل لي باقات الأزهار وتهتف باسمي. تبدو لي البطحاء صغيرة ولكنّها مزدانة بأعلام كثيرة ولافتات عديدة، كتب على إحداها "الوصول"، وكتب على أخرى "مرحبا بالبطل محمّد الأمجد بريقشة"، وهكذا.


... تبلغ بي النّشوة ذروتها وأجدني وسط حلقة المشجّعين وهم يصفّقون لي ويطلقون آهات الإعجاب، بينما صوت مذيع ينطلق من مضخّم الصّوت صائحا :
- "أخيرا وصلت البوصلة إلى تازغران... غنّوا جميعا للبوصلة... صفّقوا جميعا للبطل"...
... فجأة ينقلب الحلم كابوسا. ويصيبني ما يشبه الشّلل. أُدخل يدي في سروالي لأتحسّس البوصلة. آخر عهد لي بها كان أيّام الصّحراء، أيّام كانت بوصلة سيدي النّا... متدلّية بين ساقيّ مع خصيتيّ، مشدودة إلى حزام حول خصري. أخجل من نفسي. تثور من حولي ضجّة ضاحكة وأنا أفتح فخذيّ وأتلمّس بكلّ براءة ما بينهما فلا أجد للبوصلة أثرا. ثمّ لا أدري كيف ينقلب ضدّي فجأة جمهور المشجّعين، ويبدؤون الهجوم عليّ. كلّهم يرتمون فوقي حتّى يحجب عنّي نور النّهار فلا أعود أشعر إلاّ بالضرب ينهال على جسدي من كلّ صوب.
... فجأة أجدني وسط مغارتي البونيّة حيث يلتئم الآن مجلس مهيب. يبدو أنّ الأمر يتعلّق بإقامة محاكمة لي بأتمّ معنى الكلمة، ولكن في الظّلام الدّامس. أنظر إلى المنبر فإذا الذي تمّ تعيينه لرئاسة المحكمة ليس إلاّ سيدي النّا... شخصيّا. وسيدي النّا... يبدو الآن في حال من الغضب لم أره أبدا على مثلها، عندما كان على قيد الحياة :
- "أنت الذي خنت الأمانة يا مجدة. يا خسارة تربيتي فيك. أمّنتك على البوصلة فأضعتها ولم تكن أهلا للمهمّة."
... ألتفت فإذا المغارة مزدحمة من حولي. صاحب الزّورق الذي هربت فيه من الهوّاريّة موجود، وكلّ الشّباب الذين كانوا يعتزمون الحرقة على متن زورقه موجودون. كذلك يوجد صاحب الحمار، وأعوان صاحب الحمار، وصاحب ضيعة البرتقال، ونادية بالعيساويّة، وأمّها، وبوجمعة الدّزيري، وأبناؤه، وزوجته، والحاجّة هنيّة، وعاملاتها في ضيعة السّلوقيّة، وبشرى التّوكابري، وفارس الخميري، ونوفل الوشّام، وكريم أولاد بالعيفي، وأمّه، وسفيان الجريدي، وأخته، وابن أخته، وحفّة الجيغولو، وأصحابه الملثّمون الذين كانوا يصطحبونني في الصحراء، وياسين بالأغنج، وصاحبته حوريّة، والعذراء أمّ الزّين، والمقدّم عبد الحفيظ، وأناس كثيرون لم أتبين ملامحهم في العتمة. كلّ منهم يلوّح بسكّينه يريد غرسه في صدري وليس لي من مهرب. أصرخ : "أقرصيني يا أميمتي" وأحاول اللجوء إلى سيدي النّا... فإذا هو يصفعني كما لم يصفعني أبدا حين كان على قيد الحياة. وإذا هو يعلن للجميع حكما لا معقّب له بأنّ دمي مباح لمن أراد الانتقام ثمّ يتنحّى عن المنبر غاضبا عليّ.
اقرصيني يا خدّووووووووجة... لا أريد صعقات الكهربااااااااااااااااااء.


*****


لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. وغالبا ما أعيش كوابيسي وعيناي مفتّحتان.
... جالس على بنك طويل في حديقة القصر المنيع. بحذائي رجل غريب وامرأة، في حضنها رضيع. قد يكونون هنا في زيارة لأحد المرضى، فلم يجدوا مكانا غير هذا للجلوس. أنا على كلّ حال مشغول عنهم بحذائي الذي انفكّ رباطه. أحملق فيه في صمت ولكنّني أشعر في داخلي بمخاض رهيب. أركّز على الحذاء حتّى تظهر لي سقيفة بيتنا في زنقة بريقشة.
أخيرا حلم سيضحكني بعض الشّيء. أو هذا ما يبدو لي على الأقلّ بالنّظر إلى الدّور الذي ألعبه فيه. فسقيفتنا تظهر لي وكأنّها أستوديو تصوير. الكاميرا منتصبة وأولاد نادي الفيديو كلّ في موقعه منصرف إلى مهمّته. هنا يجري تصوير شريط وثائقيّ عن مناسك غسل ودفن الشّهيد محمّد الأمجد بريقشة. الموضوع في حدّ ذاته يبعث على الضّحك. المشكلة الوحيدة، هي أنّني ميّت بالفعل. جسدي متجمّد. أبصر ما يدور حولي، ولا طاقة لي على التّدخّل في سير الأحداث. فها أنا بالفعل ممدّد على مغسلي المنتصب في وسط السّقيفة. وقد اشتعلت الكشّافات تسلّط عليّ أضواءها ولا تقدر على تغيير شيء في البرد الجليدي الذي عليه جسدي الهامد.
ما يبعث على العجب هو أنّ البّيه صبرية لم تعد خرساء. فها هي تصول وتجول في تنظيم المأتم. يبدو أنّها من تولّت لفّي في هذا الكفن الأبيض. بل يبدو أنّها من تسهر على إخراج الشّريط. وها هي تصدر الأوامر وتنظّم الدّاخلين إلى السّقيفة في صفّ مستقيم :
- هيّا اصطفّوا بنظام. لا أريد أن يبكيه أحد. عند إشارتي، يتقدّم كلّ واحد منكم فيسامحه ويخرج إلى الفناء دون تشويش.
يرتفع صوت المقرئ الشّيخ علي البرّاق من جهاز تسجيل، مرتّلا سورة الزلزلة. وتتابع الكامرا دخول المسامحين يتقدّمهم عامر البينتو منتفخ الصّدر مفتوح أزرار القميص. من الذي سمح لهذا الحلّوف بحضور مأتمي ؟ تدوّي صرختي في داخلي ولكن لا أحد يسمعني. أرى أختي رشيدة تدخل محتضنة رضيعها الذي يأخذ في البكاء بصوت مرتفع. فتأخذ هي في إسكاته محدّثة إيّاه بصوت طفوليّ :
- هيا اسكت يا مهنّد ... اسم الله على وليدي. يزّي بابا يزّي. نسامحو فيسع خالي مجدة ونخرجو.
تنظر البّيه صبريّة إلى رشيدة شزرا لتعاتبها. فتخرج رشيدة ثديها وتضع حلمتها في فم وليدها فيرضع حتّى يسكت أخيرا. ولكن، ماذا يفعل هذا الكاميرامان ؟ إنّه لمجنون. لم يترك الفرصة تمرّ دون أن يضيّق إطار الصّورة على ثدي أختي. أمّا أنا فكلّ تركيزي على هذه القهقهة التي تلعلع بداخلي : ابن أخت محمّد الأمجد بريقشة اسمه مهنّد، تماما على اسم ذلك الرّجل في المسلسل التركي الذي يبثّ علينا في قاعة التلفزة كلّ مساء. الحمد للّه على أنّني متّ قبل أن يكبر. وإلاّ لاضطررت إلى التّعوّد على مناداته هكذا. ولكنّ الأشنع من هذا الاسم هو هذه المحرمة الغريبة على رأس رشيدة، والتي لا هي غطاء رأس عادي ولا حجاب فارسي، وكذلك هذه اللحية المتردّدة التي تكسو وجه زوجها العيّادي التّوهامي الدّاخل وراءها. إنّها لحية تذكّرني بحديثي الالتحاق بجماعة فلوس القاز. أرى أنّ أحدا لا يسمعني دائما. ولكنّ هذا لا يمنعني من الصّمت. الله يستر باب تونس. هذا فقط ما يمكنني قوله.
بعد زوج أختي تدخل كارلا بيكولو زوجة عامر البينتو وهي تدفع كرسيّا متنقّلا. ما لا أفهم له مغزى هو أنّ أمّي هي التي تجلس على هذا الكرسي. ثم إنّ وجهها لا تظهر عليه أيّ علامة حزن، وكأنّ الميّت لا يمتّ إليها بصلة. لم أكن أتصوّر أن يصل غضب خدّوجة الجعيّد عليّ إلى هذا الحد. ثمّ لماذا كارلا بيكولو هي التي تساعدها ؟ لو كان في هذه الدّنيا منطق لكان على زوج رشيدة أن يهتمّ بأمّي ويدفع كرسيّها. ولكن يبدو أنّ الأغراب أكثر منّا إنسانيّة وشفقة.
ختاما، يسود الصّمت. ويصطفّ الجميع بكلّ احترام في انتظار أن تعطي البّيه صبرية إشارة انطلاق مراسم السّماح. ولكن ها هي راضية بنت كحلة تجيء متأخّرة وتلتحق بالمسامحين جارّة زوجها النّاجي العجل، موشوشة له في أذنه وهي لا تتمالك من الضّحك.
إذا كان تصوير مأتمي في شريط وثائقيّ من شأنه أن يضحك مادام راضية، فأنا لم تعد لي رغبة في الضّحك البتّة. فقد ذكّرني قدومها بأنّ عيشوشة ليست هنا. فلماذا تتغيّب عيشوشة عن مأتمي؟ ولماذا لا تجيئني بابنتي ميارى ؟ البّيه صبريّة أيضا ليست لها رغبة في الضّحك. وها هي تنهر راضية بنت كحلة :


- عيب يا راضية عيب. الكامرا تدور. وهذه وثيقة ستبقى للتّاريخ. فماذا سيقول عنّا التّاريخ يا عزيزتي وهو يشاهدك تقهقهين هكذا ؟
يبدو أنّ لكلمة التّاريخ، هذه التي نطقت بها البّيه صبريّة مفعولا سحريّا. فقد بدأ شريطها الوثائقيّ يتحوّل إلى مأتم بالفعل والواقع. فقبل أن يؤذن لأيّ كان بالاقتراب منّي، يستحيل حلمي إلى كابوس. فلا كاميرا ولا كشّافات ولا أيّا من أولاد نادي الفيديو. وفي المقابل، تستحيل سقيفتنا إلى مغارة بونيّة، وبالذّات إلى تلك التي كانت قد أقيمت لي فيها محاكمة في كابوس سابق. فإذا مغسلي يحاصره كلّ أولئك الهاجمين عليّ بسكاكينهم.
وفجأة يقتحم المغارة رجل قادم من رحم الأمواج. يقول إنّه عدل منفّذ، وإنّه آت من سنة 2027. وها هو يصيح في الجميع :
- أوقفوا كلّ شيء. لا يمكن أن تبدأ مراسم السّماح قبل أن أفضّ مشكلة هذه البوصلة بحضور الجميع.

تهمّ البّيه صبريّة بالرّدّ عليه ولكنّها تعود إلى حال خرسها فلا تجد الكلام. ويفتح العدل المنفّذ محفظته ليخرج منها ورقة يقول إنّها محضر تسليم هبة، ويطالب الجميع بالصّمت قبل أن يشرع في القراءة :
- باسم الله الرّحمان الرحيم
أمّا بعد، فإنّه في يوم السادس من مارس من سنة 2027، توجّهت أنا، الأستاذ كاف واو تاء، العدل المنفّذ بباب تونس، والمكلّف بهذه المهمّة من قبل الأستاذة شين باء ميم، محامية المتّهم المرحوم محمد الأمجد بن الحبيب بن البحري بريقشة. واتّصلت بالآنسة ميارى منصورة، المولودة في 6 مارس 2007، والقاطنة في حيّ العمران الآتي رقم (.....)، شقّة رقم (....)، بنت عامر بن محمّد صالح بن عثمان منصورة شهر عامر البينتو، وبنت عيشوشة بنت النّاجي العجل، كما تنصّ على هويّتها بطاقة تعريفها الوطنيّة رقم (.......).
وحيث توجّهنا إلى المقرّ المعيّن بالعنوان. وحيث وجدنا المعنيّة شخصيّا. وحيث شرحنا لها مهمّتنا وطلبنا منها الإجابة على أسئلتنا المتعلّقة بقبول العطايا الثلاث موضوع الهبة التي تبرّع لها بها المغفور له محمّد الأمجد بريقشة. فقد طرحنا عليها الأسئلة وحرّرنا عليها أجوبتها على النّحو التالي :
أوّلا : في خصوص بيت آل بريقشة الكائن في نهج باب تونس زنقة بريقشة عدد 2 والذي انجرّت ملكيته للواهب بالطّرق القانونية كما تثبته الشّهادة الزّرقاء المسلّمة من إدارة الملكية العقّارية المؤرّخة في (.....) والحاملة رقم (.......). سألنا الآنسة ميارى البينتو إن كانت تقبل هذه الهبة من المغفور له محمّد الأمجد بريقشة، فأعلنت قبولها بكلّ سرور. وبناء عليه سلّمناها مفاتيح المحلّ والشّهادة الضامنة تسجيله باسمها، وأمضت من ناحيتها على الاستلام في المكان المخصّص للغرض من مسودّة هذا المحضر.
ثانيا : في خصوص الظّرف المختوم الحاوي نتائج تحاليل طبّيّة تخصّ المتبرّع، والذي كانت محامية المغفور له سحبته من مخبر التّحاليل الجينية بمعهد باستور بتونس، بناء على قرار المحكمة إسقاط التّتبّع في القضيّة الموجبة للتّحليل. شرحنا للآنسة ميارى البينتو أنّ الظّرف المعروض عليها بقي مختوما كما كان يوم سحبه من المخبر، وذلك طبقا لإرادة المتبرّع الذي امتنع هو نفسه عن الاطّلاع على نتائج التحليل، حتّى لا يعلم بها أحد قبل أن يُسلّم الظّرف إليها يوم بلوغها سنّ الرّشد القانونية. ثمّ سألناها إن كانت تقبل هذه الهبة من المغفور له محمّد الأمجد بريقشة. وحيث أعلنت قبولها ببالغ الارتياح، فقد سلّمناها الظّرف المذكور. ولكنّها أصرّت قبل الإمضاء على الاستلام، على أن نشهد نـحن على المصير الذي آلت إليه هذه العطيّة على يديها وعلى أن ندوّن شهادتنا في وثيقة الحال حتّى تكتمل العمليّة في كنف الشّفافية.
وبناء عليه فإنّنا نشهد طبقا لما تخوّله لنا صفتنا، على أنّ الآنسة ميارى البينتو، بمجرّد تسلّمها الظّرف ودون أن تفتحه، عمدت إلى إحراقه مغلقا بحضورنا حتّى تفحّم بالكامل.
ثالثا : في خصوص البوصلة الموروثة من قبل الواهب عن خاله المرحوم النّاصر الجعيّد. أعلمنا الآنسة ميارى البينتو بالجهود المضنية التي بذلتها المحامية، بناء على طلب الواهب، حتّى عثرت على هذه القطعة الثمينة بعد ضياعها. وشرحنا لها مدى إصرار الواهب على أن تودع البوصلة عندها هي بالذّات ورجاءه بأن تحرص على المحافظة عليها إلى أن تؤول ملكيتها إلى خلفها من بعدها. وحين سألناها إن كانت تقبل هذه الهبة من المغفور له محمّد الأمجد بريقشة، اعتذرت الآنسة ميارى البينتو معلنة عدم حاجتها إلى بوصلة، رافضة الإمضاء على الاستلام.
وبناء عليه، وحيث بحثت عن المحامية شين باء ميم فقيل لي إنّها هاجرت للعيش في القارّة الأمريكيّة، فإنّني، طبقا لما يتيحه لي القانون وتخوّله التكنولوجيات الحديثة، توجّهت إلى شهر مارس من سنة 2009، حيث كانت تقام في تاريخه مراسم مأتم المغفور له محمّد الأمجد بريقشة، لأوقف تنفيذ الدّفن قبل أن يجيبني الواهب على هذا السّؤال :
ماذا أفعل بالبوصلة في صورة رفض الآنسة ميارى البينتو استلامها ؟
... صياح امرأة تطلب النّجدة يقطع عليّ الكابوس فينقذني من سكتة قلبيّة لا ريب فيها. لعلّها أختي رشيدة هي التي تصيح. ولكن، لئن كنت أشعر بما يشبه الوعي بأنّني مازلت حيّا وبأنّني موجود في حديقة القصر المنيع، فإنّني أشعر دائما بتجمّد كامل أعضائي كما في الكابوس. لذلك فليس لي إلاّ أن أستسلم للممرّضين الثلاثة الذين جاؤوا يأخذونني إلى قاعة الكهرباء...

*****


لم تنته الكوابيس.
كابوس يجرّ كابوسا، يفضي إلى كابوس. ولكن، كان لا بدّ أن ينتهي تشنّجي، وأن يسمح لي من جديد بالخروج إلى الحديقة. كان لا بدّ أن أتعوّد على المقرّ الذي اخترته للإقامة بقيّة حياتي، وأن تعود فراشتي إلى مؤانستي، وأن أحلم بالزّهور من جديد دون أن يسودّ الأفق في خاتمة المطاف.
...جالس وحدي في حديقة القصر المنيع الفسيحة. اليوم مشمس، والشّتاء يلملم أواخر أيّامه دون أن يقوى الرّبيع على فرض حضوره. أشجار اللوز على يميني وأشجار المشمش على يساري، وجميعها قد طرحت بعدُ زهورها، وتبارت في طلب ودّ فراشتي المتجوّلة بين البتلات البيض والورديّة، ناقلة بين الزهور تبادلها البوح بنشوة بعثها الجديد. جالس وحدي في حديقة القصر المنيع الفسيحة، أحلم بمحاميتي.
الحلم أعطر من كلّ الزّهور وأجمل من كلّ ربيع. أوّل حلم في يقظتي أخرج فيه عن صمتي ولكن دون كلام. محاميتي تقترب من مقعدي، ودون مقدّمات، تهمس في أذني "يسلّم عليك سفيان". ثمّ تفتح حقيبتها اليدوية لأرى فيها بوصلة سيدي النّا...
نعم... البوصلة.
نعم... سلام من سفيان الجريدي، يخترق المسافات، يخترق جدران القصر المنيع ويصل إليّ.
نعم ... كنت واثقا منذ البداية من أنّ محاميتي كانت تصدّقني حين كنت أحكي لها أحلامي وتفاصيل رحلتي. كانت مؤمنة بوجود بوصلة سيدي النّا... مصدّقة بأنّها ضاعت منّي. وكنت من ناحيتي على يقين من أنّها ستجدها مهما طال بحثها عنها. ومع ذلك فبمجرّد أن رأيت البوصلة تلمع في حقيبتها اليدويّة، كاد قلبي يخرج من صدري، من شدّة فرحي.
كدت أفقد تركيزي على دوري، وأُضيعُ نهائيّا أثَرَ طيرانِ فراشتي. ولكنّني تماسكت في آخر لحظة. مسكت محاميتي من يدها مبتعدا بها عن أنظار المرضى. وقفت وإياها بحذاء شجرة لوز قصيرة ومسكت برفق غصنا مزهرا لأقرّبه منها حتّى تفهم جيّدا قصدي. ثمّ مددت يدي إلى حقيبتها اليدويّة كما لو أنّني كنت أريد أخذ البوصلة. فتركتني أفعل وفتحت الحقيبة لمساعدتي. ولكنّني أخذت منها قلما وكتبت به على راحة يدها "هدية عيدها العشرين. فمن يدري ؟". ثمّ أطبقت أصابعها على ما خطّه القلم. وأطبقت حقيبتها اليدويّة على بوصلة سيدي النّا...، وبقيت أنظر مباشرة في عينيها حتّى رأت عينيّ كما لم ترهما أبدا من قبل تلتمعان. وشددت طويلا على يدها، في صمتٍ محمّلٍ بكلّ امتناني.
بقينا هكذا صامتين، إلى أن سالت على خدّها عبرة. عبرة قالت لي إنّ محاميتي نفذت من كلّ سرّي إلى أعماقه، واستوعبت تماما قصدي. عبرة كانت منها وعدا ووداعا...


همّت بأن تقول لي شيئا ولكنّها لم تستطع. فاستدارت لتنصرف، وتركتني محاطا بأشجار اللوز، أتابع بالنّظر تحليق فراشتي بين أزهار ربيع مازال يرغب في مزيد التّأخّر عن المجيء.


الهكواتي


انتهت الرّواية / الغزالة في 06 مارس 2009


وانتهت سنتي على جناح السّرد، فأهلا بكم في النّادي الثّثافي الطّاهر الحدّاد لمائدة مستديرة حولها




2009-02-27

بوصلة سيدي النّا... 22 نداء الجليد

سنتي على جناح السّرد 52 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 22 من 23– 27 فيفري2009


المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الرّابعة :

نداء الثّلج

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

هذه الوثيقة خطاب أودعه سفيان الجريدي في صندوق بريد الأستاذة شين باء ميم، محامية المتّهم محمّد الأمجد بن الحبيب بن البحري بريقشة، صبيحة يوم الجمعة 27 فيفري 2009.


صديقتي، عمت صباحا
أكتب إليك هذه السّطور من مقهى "الفنك"، قبالة محطّة الحافلة في مدخل حيّكم. ألجأ إلى الكتابة بعد أن اتّضح لي أنّ الظّرف الذي أحمله إليك أعرض من أن تتّسع لدخوله فتحة صندوق بريدك. رقم الهاتف الجوّال في أعلى الصّفحة، هو لليندا. اتّصلي بها، وستسلّمك هي ظرفا كرتونيّا حرصت على إحكام غلقه بشريط لاصق.
ليندا طالبة من العائلة. هي وخطيبها الآن معي، لتشييعي بسيّارة هذا الأخير. هي لا تعرف عن محتوى الظّرف أكثر من أنّه شيء ذو قيمة عاطفيّة رفيعة بالنّسبة إلينا معا، وأنّه عليها أن تخصّ الظّرف ببالغ عنايتها وتحافظ عليه تماما كما أودعته عندها. ولكنّها تعرف عن علاقتنا، في المقابل، فكرة أشعتها في العائلة، منذ اليوم الأوّل، لذرّ الرّماد على الأعين. لذلك أرجوك المعذرة، إذا حصل أن دفعها فضولها فطرحت عليك بعض الأسئلة التي قد تحرجك. أنا حريص على أن تكون إجابتك لها غامضة، كأن تقولي مثلا "كلّ شيء بالمكتوب".
لأنّ كلّ شيء فعلا بالمكتوب. ولو لم أكن مقدما على تنفيذ مشروعي الذي سأحدّثك عنه أدناه، لكنت بالتّأكيد فاتحتك، منذ أوّل قهوة صباح شربناها معا في قفصة، في تلك المسألة التي تنتظرين منّي - إن لم أكن مخطئا - أن أناقشها معك. ولكن من يدري يا صديقتي ؟ فالأرض أضحت أصغر من برتقالة. وقد يمكن بفضل المراسلة أن يتاح لنا طرح كلّ المواضيع التي لم نجرؤ على طرحها بعد، لأسباب متعدّدة. ولكنّ هذا يقتضي أن تتوقي إلى تلبية نداء الآفاق الرّحبة مثل ما أتوق أنا.
أرجو أن لا يكون أملك قد خاب بعد. فقد كنت تتصوّريننيّ رجلا صلبا، شفّافا، مالكا لمصيره يعرف جيّدا ما يريد. فإذا أنت في حضرة كائن ملغّز لا يبدو قادرا على السّير مباشرة نـحو هدفه. ولكن، صبرا يا صديقتي.
قد تغضبين لأنّني لم أعلمك باعتزامي المجيء إلى العاصمة، ولا حرصت على مقابلتك ما دمت موجودا بها، ولا حتّى اتّصلت بك هاتفيّا لأسمع صوتك. يمكنك اعتبار هذا جبنا منّي. فمشكلتي الحقيقية أنّني بالفعل جبان شيئا ما، ولكنّني أعتزم مقاومة هذا الجبن وسأكفّر عن ذنبي تجاهك في الأيام القادمة. فقد وصلني عنوان بريدك الألكتروني ضمن إرساليّة قصيرة، وسأستعمله بداية من الليلة لأشرع في شرح كلّ شيء لك. ولكن إذا كان لديك سبب واحد لتغضبي منّي أكثر، فهو أنّني، أثناء لقائنا في قفصة، أو حتّى في مكالماتنا الهاتفيّة بعد ذلك، أخفيت عنك بعض الحقائق وكسوت بعضها الآخر بالأقنعة.
ها أنا أعترف بذنبي، يا صديقتي. وكلّي ثقة في أنّك ستتفهّمين موقفي وستعذرينني. فلكلّ ظروفه، وسأشرح لك ظروفي وأجيب بالتفصيل عن كلّ الأسئلة التي طرحتها عليّ، وحتّى عن تلك التي لم تجرئي على إثارتها إلى الآن. فقط لا تنسي وعدك لي بأنّك لن تستعملي من المعلومات التي سأمدّك بها إلاّ ما كان يخدم صالح محمّد الأمجد بريقشة.
على ذكر بريقشة، بما أنّك ستزورينه قريبا في السّجن، سلّمي لي عليه كثيرا. وقولي له إنّني لئن كنت للأسف لا أملك الشّجاعة الكافية لأزوره بنفسي، ولا لي أيّ صفة تخوّل لي أن أطلب مقابلته، فإنّني فخور بأن كنت في مستوى الثّقة التي وضعها في شخصي. ولكن، مهما يكن من أمر، فإنّني أريدك أن لا تتخيّلي أيّ رابط سببيّ بين قضيّة بريقشة وبين الخبر الذي تأخّرت في أن أسوقه إليك، أو بين هذا الخبر وبين قبولي التحدّث إليك عندما جئت إلى قفصة، وخاصّة أثناء جلستنا المطوّلة، في تلك العشيّة، في مقهى وادي الباي، حينما كان يعجّ بالمحامين القادمين من العاصمة من أجل المحاكمة، وكذا بالمخبرين الذين كانوا يراقبون كلّ ما كان يحدث هناك.
لا أريدك أن تشعري إطلاقا بأيّ ذنب في ما يحدث لي، أو أن تتخيّلي أيّ تأثير للقائنا على وضعي المهني، ولا على اتّخاذي القرار في الاتّجاه الذي اخترته في النّهاية. ولكنّ الأحداث تتسارع من حولنا أحيانا بما يحوّل مجرى حياتنا تحويلا جذريّا في أشهر، بل في أسابيع قليلة. ولم يكن لقاؤك إلاّ واحدا من تلك الأحداث التي يفرزها تسارع إيقاع الحياة في مثل هذه الحال، أو تلك التي تنصهر بطبعها ضمن مجرى ذلك الإيقاع، إلى حدّ أنّها تبدو سببا في تسريعه. فقراري حسم مجرى حياتي على هذا النّحو، كان يطبخ على نار هادئة منذ وقت طويل.
سأبدو لك معقّدا بعض الشّيء. ولكنّني، وقد صُدمت ببعض الممارسات التي بدت لي خرقاء، قرّرت أن أسدّي شبكتي في صمت مطبق ولا أبوح بأمرها لأحد. فقد كنت عشيّة أمس في مكتبي كما لو أنّ شيئا لم يكن على وشك الحدوث. وهذا الصّباح، لم يخاطبني أحد منهم بالهاتف بعد، ولكنّني أفترض أنّهم يتصوّرونني مريضا. سيكون تخلّيا عن العمل بأتمّ معنى الكلمة. حتّى أختي لا تعرف أين أنا الآن ولا إلى أين أذهب. ستعلم عن طريق رسالة، ستحملها إليها ليندا عند عودتها غدا إلى الرّديّف.
لم تلاحظي عليّ شيئا من هذا يا صديقتي. ولكنّني كنت أشعر بالاختناق حيث كنت. فقد اكتشفت، منذ التحقت بالإدارة، مدى سذاجتي في مقاربة العمل والعلاقات المهنيّة والنشاط الميداني والحياة عموما. ووقفت على عجزي العضويّ عن فعل أيّ شيء. لا للتّأثير في سير الأحداث ودفعها في الاتجاه الذي أراه سليما. فهذا حلم دفنته منذ الأيّام الأولى. ولكن لمجرّد أن أتعفّف عن هذا النّفاق السّائد الذي يصيبني بالحمّى إذ يغذّي الدّمّل قليلا، قليلا كلّ يوم، لا لشيء سوى المحافظة على امتيازات نـحيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.
لهذا، يا صديقتي، وجدتني في حاجة أكيدة إلى استنشاق جرعة من هواء طازج، من هواء بارد، من هواء ثلجيّ إذا لزم الأمر. فأخذتني فجأة رغبة جامحة في تغيير مجرى حياتي تغييرا جذريّا، ما دام في الحياة متّسع. وبدأت أعمل في هذا الاتّجاه منذ الصّائفة الماضية. وقد كان يمكن لمجيئك إلى قفصة أن يدفعني إلى التّراجع في آخر لحظة. ولكن، كان لديّ، على ما أعتقد، ما يكفي من الحكمة، أو ربّما من سوء الطّالع، لأمضي في خطّتي حتّى النّهاية، كما لو لم أكن قد التقيت بك، على أن أعيد تأسيس علاقتنا من الصّفر بالمراسلة.
سمّي فعلتي المجنونة هذه كما يحلو لك. اعتبريها مجرّد قفًا لعملة جبني الأزليّ، اعتبريها امتثالا لقوانين سوق نزيف الكفاءات، أو حتّى "حرقة" جوّيّة لا تدخل تحت طائلة القانون. ولكن، عندما تجدين هذه الرّسالة في صندوق بريدك، تكون طائرتي قد أقلعت بعد في اتّجاه لندن ومنها أتحوّل الليلة إلى مونريال. سأقضّي هناك سنتين أفكّر خلالهما جدّيّا في مستقبلي، وأحدّد مسلكا نهائيّا أتّبعه. ولا أخفي عنك أنّ رأيي قد يستقرّ على الإقامة هناك بشكل نهائيّ.
هذه، يا صديقتي، دفعة أولى من البوح الذي اعتزمت أن أفضي به إليك لما بدا لي بيننا من ميل متبادل ولتقارب رؤانا عموما حول أهمّ الأمور. وقد كان يمكن أن تصلك هذه الرّسالة بالبريد الألكتروني الليلة بالذّات. ولكنّ الظّروف شاءت أن أكتبها على ورق اشتريته من مكتبة حيّكم. كان يمكن أيضا أن أكتب لك أكثر لو لا أنّ ليندا وخطيبها قد بدآ يستعجلاني حتّى لا يفوتني موعد الطّائرة.


لذلك فهذا عنوان بريدي الألكتروني. ربّما وصلني منك ردّ قبل أن أبرح مطار لندن هايثرو، من حيث تنطلق طائرتي في الساعة السابعة و خمس دقائق مساء.
كلّ صداقتي وأكثر بكثير إن كنت راغبة.
سفيان الجريدي
sofianova-tn@hotmail.com

الهكواتي .../... يتبع

2009-02-20

بوصلة سيدي النّا... 21 دائرة الحمار والفراشة

سنتي على جناح السّرد 51 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 21 من 23– 20 فيفري2009

المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الثّالة :

دائرة الحمار والفراشة

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

بماذا كانوا يريدونني أن أعترف ؟
وماذا كانوا يريدون منّي أن أقول ؟


واضح بالمنطق أنّني لم أغمض عينيّ على كثيب الرّمل في الصّحراء لأفتحهما مباشرة أمام جامع القادريّة في الكاف. ولكنّ ما كانوا يريدونه هو أن أعترف بأنّني أعرف أشياء عمّا جرى بين هذه اللحظة وتلك وبأنّني حرصت على إخفاء معلوماتي عنهم طيلة التّحقيق. كانوا يريدون تصريحا بأنّني عبرت الحوض المنجميّ أثناء رحلتي، وبأنّني كنت عندها قد استعدت وعيي تماما، وصرت أميّز الشّمال من الجنوب والشّروق من الغروب، وبأنّني، حين حللت بالرّديّف، وجدت المدينة تغلي غليان بركان، وبأنّني، لخبرتي الطّويلة بالبطالة والخصاصة وانسداد الآفاق، كنت أفهم جيّدا تلك الأناشيد التي كانت تردّدها الجموع.
وماذا أيضا ؟
هل كان عليّ أن أقول لهم أيضا، إنّه كان يمكنني أن أنضمّ إلى هؤلاء الغاضبين وأن أغنّي معهم كلّ أناشيدهم لو لم أكن منشغلا بالبحث عمّن يأخذ منّي بوصلة سيدي النّا... أو يقرّبني بضع كيلومترات من تازغران ؟ أم هل كانوا ينتظرون أن أبيعهم جلد سفيان الجريدي، فأقول إنّه تعرّف عليّ وكأنّنا بقينا على صلة بعد تخرّجه من الجامعة، وأنّه أنقذني من موت محقّق وآواني حتّى شفيت ؟
ماذا كانوا يريدون منّي أن أقول ؟
أنا لم أكن أكذب حين قلت إنّني نسيت، أو إنّني مررت بما يشبه بؤرة سوداء، تتّخذ اليوم شكل صفحةٍ مُحيت تماما من ذاكرتي. ولم أكن أبدا أخشى من قول كلّ الحقيقة في ما يخصّني. فما الذي كان يمكن أن ينالني منهم، أكثر ممّا نالني حتّى الآن ؟ وما الفرق بين السّجن الذي كانوا يعدّونه لي، وبين زنازين الصّمت المطبق التي لجأت إليها باختياري ؟
لم أكن أكذب، ولكنّني رأيت الشّهامة تتحرّك في سفيان يوم رأى أولائك الرّهط ينهالون عليّ بالعصيّ الغليظة. في ذلك اليوم، اختار أن لا يتأخّر عن غوثي إذ لجأت إليه، رغم أنّه كان يشتغل بالسّياسة، ويعرف قدرة خصومه على قلب الحقائق وتحويل الهبوب لنجدة بريء، إلى خرق لقواعد الانضباط والتحاق بصفّ الخصم.
هذا رجل أدين له بما بقي من حياتي. فكيف إذًا لا أردّ الشّهامة بقدر أدنى من الشّهامة ؟ كيف أفشي سرّ من أحسن إليّ، وأعرّض مستقبله للخطر ؟
قد أكون نطقت باسم سفيان الجريدي أو كريم أولاد بالعيفي، بفعل الخطأ أو التّسرّع، حين كنت أحاول جاهدا أن أتذكّر الظّروف التي قابلت فيها بشرى التّوكابري. ولكنّني نجحت في أن لا أقول لهم شيئا عن بيت أخت سفيان في الرّديّف، ولا عن ورشة ابن أخته في حومة وادي الباي، ولا عن صديقه الطّبيب الذي ظلّ يزورني هناك أكثر من أسبوع ويداويني حتّى شفيت، ولا عن تلك الليلة التي سطّر خلالها سفيان هروبي من قفصة إلى القصرين، خشية أن يكتشف أمري، بعد أن سمع بعضهم غنائي فوشى له بابن أخته، بدعوى أنّه قضّى كامل الليل يسكر في ورشته مع شباب من العاطلين، ويغنّون أغاني الحضرة ويقضّون مضاجع الجيران.

*****

لست أذكر من قالها عنّي عندما كنت صغيرا. ولكنّني لست بهلولا، ولا "نيّة"، وأعرف أين يخفي الشّيطان بيضه قبل أن يفقس. أنا من خطّطت لأجيء إلى هنا. ويخطئ تماما من يعتبرني غافلا أو يتصوّر نفسه خدعني أو أدخلني إلى حيث لم أكن أرغب في الدّخول. فأنا ولد الرّبط. ولا يعرف هؤلاء الأطبّاء معنى أن يكون أحد ما ولد الرّبط، وولد باب تونس تحديدا. هم يقولون إنّني من أوقعت نفسي في المرض، وإنّ أصل دائي أنّني اندمجت في الدّور وأنا أتظاهر بالجنون إلى درجة أنّني جننت فعلا. ولكن، أليس هذا بالضّبط ما كنت أوحي لهم بأن يقولوا عنّي ؟ أليس اعترافهم بجنوني دليلا على أنّني كنت أذكى منهم، وعلى أنّ حيلتي انطلت عليهم جميعا، وعلى أنّ الذي يقدر على اكتشاف سرّي، مازالت أمّه أصغر من أن تحبل ؟
ما أزال إلى اليوم سليما لا علّة بي، عدا بعض أوجاع الرّأس من حين إلى حين، بسبب تلك الضّربة التي تلقّيتها على دماغي في ذلك اليوم المشؤوم. هذا ما لم يفهموه وما لن أعترف به أبدا، ولا حتّى في شكل سرّ أفضي به لأطبّاء القصر المنيع. فمنذ قرّرت أن أصوم نهائيّا عن الكلام، هزمت الجميع بالضّربة القاضية. اتّخذت الصّمت سلاحا فكان أنجع سلاح. كلّ اللعبة تتلخّص في أنّني أسكُتُ وكأنّني لا أسمع ما يقولون، وأرخي كامل عضلات وجهي حتّى لا يقرؤوا عليه أيّ تعبير، وأذبّل جفوني حتّى أبدو كئيبا، وأنظر إلى البعيد، من حين إلى حين، لأتابع طيران فراشتي. وينتهي الأمر. فإذا هم جميعا في الفخّ يصدّقون جنوني. وإذا أنا أحلم دائما، فلا يقدرون على منعي من التحليق كما أشاء، خارج مكانهم وبعيدا عن زمانهم.
بفضل صمتي، انتصرت على جماعة التّحقيق حتّى تركوا سبيلي. وبفضله، ظفرت بالنّقلة من السّجن إلى هذا القصر دون أن أطلب شيئا من أحد. حقنة في الصّباح، وثلاث حبوب أبتلعها مع الأكل على مدى اليوم. ذلك كلّ ما أدفعه مقابلا للإقامة في هذا القصر المنيع. كلّ يوم أخرج إلى هذه الحديقة الشّاسعة وأظلّ أتجوّل فيها بخيال حرّ سابح في الملكوت، أتابع بعينيّ فراشتي، أنيسة وحدتي، وهي تطير متنقّلة بين الأغصان، تنتظر معي الرّبيع وتحلم بالزّهور، و ترفرف مع السّحب عاليا في الأفق البعيد.

*****

ماذا كانوا يريدون منّي أن أقول ؟
وبماذا كانوا يريدونني أن أعترف ؟


لو كانوا أذكياء لكلّفوا واحدا منهم بالنزول إلى زورقي ليتثبّت من صحّة ما قلته لهم، ولتفطّنوا حينها، بمجرّد لمس المحرّك، إلى أنّه كان ما يزال حاميا وإلى أنّني لم أوقفه إلاّ حين رأيت خافرتهم قادمة في اتجاهي على بعد ميل أو أقلّ. ولكنّ تظاهُري بعدم رؤيتهم، وانسجامي الكامل مع أغنيتي "يا قمرة الليل"، ثمّ امتثالي حين رموا لي حبلهم وأمروني بربط زورقي إلى خافرتهم... كلّ هذا جعلهم لا يصلون إلى مرساهم إلاّ وقد برد محرّكي وصار بوسعي أن أدّعي كلّ ما أريد دون أن يكون لهم أيّ دليل على كذبي.
أنا لم أكن أكذب حين قلت إنّني ما فكّرت أبدا في "الحرقان". لم أكن أكذب. ولكنّ أيّ شخص في مكاني، كان سينتهز مثل تلك الفرصة ويطمع في بلوغ الأفق. فكلّ الظّروف اجتمعت لتمنحني في يقظتي ما كان يعزّ على الآلاف من أمثالي حتّى في الحلم. خبرة بقيادة الزّوارق وليلة قمراء ورؤية واضحة وبحر هادئ وزورق جاهز للإبحار لا ينتظر منّي أكثر من الخروج من مغارتي البونيّة، وقطع بضع خطوات قبل الارتماء في المركب وتشغيل المحرّك ثمّ اتّباع النّجمة القطبيّة.
ما فكّرت أبدا في الحرقان. ولكنّ فراشتي استقرّت في الزّورق قبلي وأبت أن تتزحزح عنه. ثمّ إنّني، حين حسبتها بالعقل، وجدت محاولة قطع الحدود خلسة على زورق لي وحدي، أقلّ خطرا من البقاء حيث كنت، حيث كان يمكن للحارس أن يتفطّن إلى وجودي، وكان يمكن لأعوان صاحب الحمار أن يلتحقوا بي فيفعلون بي ما هدّدوني بفعله. حتّى سقف المغارة كان يمكن أن ينهار على رأسي فينقطع نفسي تحت الماء والرّكام معا.

*****

... وحدي واقف، رغم البرد القارس، وسط حديقة القصر المنيع. أتأمّل فراشتي وهي تتشبّث بعشبة، تلتصق بالأرض ولا تريد أن تنفصل عنها. أحاول رفع عينيّ إلى السّماء علّ فراشتي تتبع رغبتي في التّحليق. ولكنّها تظلّ قابعة في الأرض لا تريد أن تطير، فيضطرّ بصري إلى الارتداد إلى الأسفل حتّى لا يضيع عنّي أثرها.
أحيانا، أسأل نفسي، وأنا أتألّم من وخز الحقنة، أو أعجز عن تجرّع حبّة الدّواء فتذوب مرارتها على لساني قبل أن أتوصّل إلى ابتلاعها، أتساءل إن كان جنوني كذبة صرفا كما أعتقد، أم إن كان في بعض وجوهه حقيقة ثابتة. ولأفترضْ جدلا أنّه في بعض وجوهه حقيقة، فمن أين يمكن أن يكون مأتاه ؟ هل أصابني بسبب أنّني أضعت بوصلة سيدي النّا... ؟ هل أصابني لأنّ هذه البوصلة، كما تقول أختي رشيدة، هي في الأصل وهم ابتدعته ثمّ صدّقته ؟ أم هل يكون ذلك بسبب خصومتي مع خدّوجة الجعيّد التي ما تزال غاضبة عليّ، ومع صوّانة التي تخلّت عنّي تماما ؟ أم هل هو الشّوق إلى عيشوشة التي لم تعد تأتي لزيارتي ولا حتّى في الحلم ؟
أحيانا يتهيّأ لي أنّني، إن كان بي ذرّة من الجنون، فالسّبب لا هذا ولا ذاك، وإنّما افتقادي الشّجاعة اللازمة للتّوقّف والنّبش في الرّمل عميقا حتّى العثور على حجيرة الصّوّان السّابعة، تلك التي انتزعها المقدّم عبد الحفيظ من دماغي. فقد كان الحلم رؤيا واضحة المعالم مبشّرة بكلّ الخير. وكنت أكاد أفهم تأويله دون حاجة إلى مساعدة خدّوجة الجعيّد.
كان الحلم رؤيا، جُبْني وحده حوّلها إلى كابوس.


... وحدي على ساحل الهوّاريّة أجري، تغمرني نشوة الشعور بالنّجاة. أجري وكلّي ثقة بأنّ الحظّ أصبح حليفي. فحتّى الشّاطئ الصّخريّ بدأ يتحوّل تحت خطاي إلى رمل ناعم يذكّر بشاطئ القرّاعيّة. وفجأة رأيت حجيرة الصّوان السّابعة. كانت تلمع على مسافة قصيرة منّي. تجاوزتها قليلا، وكان يمكنني أن أتوقّف عن الجري، وأعود بكلّ هدوء لألتقطها. ولكنّني تذكّرت أن أتباع صاحب الحمار مازالوا يلاحقونني. فالتفتّ وارتميت على الحصاة بلهفة. فإذا أنا أسقط قربها وأردمها بالرّمل. فأخذت، من خيبة أملي، أنبش الرّمل كما اتّفق. وحين بدا لي أولئك الهمج من جهة الهضبة، يجرون في اتّجاهي كموجة عارمة، غلبني اليأس فتوقّفت عن النّبش وعدت إلى الجري لأهرب منهم مرّة أخرى. ولكن هيهات أن يعود الرّمل النّاعم إلى هذا الشّاطئ. فقد تحوّل الحلم إلى كابوس. وعاد الشّاطئ صخريّا، يدمي وخزه رجليّ الحافيتين.
*****
... جالس وحدي على فراشي أنظر من شبّاك القاعة. كلّ المرضى نيام. والقمر يداعب بشعاعه أشجار حديقة القصر المنيع وهي أيضا نائمة. جالس وحدي على فراشي، يتمنّع عنّي النّوم وتتدفّق في ذهني الذّكريات.
... للوصول إلى تازغران، أشار عليّ بعض الشّبّان بسلوك طريق بدّار. وهي طريق طويلة وملتوية. وهناك إنّما عثرت على أنيستي. هناك برزت لي فراشتي الحبيبة من وراء طابية الهندي، وأخذت ترفرف حولي ثمّ تسبقني وتتوقّف من حين إلى حين لانتظاري. أخذت أتأمّل طيرانها، واعيا بأن حضور فراشة في عزّ الشّتاء حدث استثنائيّ. شيء ما في رفرفة جناحيها كان يقول لي إنّها لم توجد إلاّ من أجلي أنا، ولم تطر لغيري أنا. لذلك تبعتها ورحت أتوقّف كلّما توقّفَتْ، وأعود إلى الوراء كلّما خطرت لها العودة من حيث جئنا، حتّى استطال بنا الطّريق إلى تازغران وتمطّط.
... ظللت أقتفي أثر فراشتي حتّى ابتعدنا عن منزل بوزلفة. فإذا نـحن أمام مدخل ضيعة. وإذا رجل يعرض عليّ الانضمام إلى عمّاله لجني البرتقال. وإذا الفراشة تسبقني إلى داخل الضّيعة دون استشارتي. لم أرفض العرض ولكنّني لم أقل إنّني قبلته. فقط، تبعت فراشتي إلى الدّاخل حتّى حطّت على شجرة يتدلّى من أحد أغصانها برتقال مسكي في شكل عنقود. أجل عنقود مسكي، حبّاته أكبر من حبّات البرتقال العاديّة وشكله كأنّه عنقود عنب. ظللت أتأمّل العنقود ساعتين أو أكثر، والفراشة تحوم حول حبّاته، وأنا أبتسم لها وهي تطير وتحطّ على لطخات الضّوء التي ترسمها أشعّة الشّمس على كلّ واحدة من برتقالاته. حتّى تفطّن صاحب الضّيعة إلى أنّني لم أقطف برتقالة واحدة. وقف أمامي، وبقي هنيهة ينظر إليّ بعينين واسعتين متعجّبا من استغراقي في تأمّل ذلك العنقود بالذّات. ثمّ قصّه فأهدانيه وسرّحني. فإذا فراشتي تخرج من الضيعة. فأكاد أسمعها تضحك متواطئة معي. وأظلّ أقهقه، أنا الآخر، بصوت مرتفع.


... شيء ما، في شمس ذلك اليوم، كان يشقّ الدّماغ رغم شدّة البرد. فرأسي بدأ يؤلمني وبدأت أتعب من فرط السّير. لذلك، فحين لحق بي شيخ يركب حمارا، لم أتردّد في أن أستوقفه وأتوسّل إليه أن يركبني وراءه ولو لبضع أمتار. فما كان منه إلاّ أن فاجأني بالنّزول من على ظهر الحمار وتركه لي قائلا :
- أنا وصلت، يا وليدي. فدونك الحمار. اركبه. وحين تصل، قل له أن يرجع وسيرجع وحده.
- أنت طيّب يا سيّدي، قلت. ألا تخاف من أن أسرقه منك؟
- لن تستطيع، قال، فهذا حمار مرسل. والحمير المرسلة نتمتّع بها ونتركها تعود لشأنها. هذا الحمار سُلّم إليّ كما أسلّمه إليك الآن. لقد كنت متعبا، فسألت شابّا في مثل سنّك أن يركبني خلفه. ولكنّه نزل عنه وقال لي تماما مثل ما أقول لك.
... هل يمكن أن يكون كلّ هذا صدفة لا غير ؟ بدأت أشكّ في أنّني في حلم لا في يقظة. ولكنّني من فرط التّعب تمنّيت أن لا أستيقظ. ركبت الحمار فانطلق بي. ورأيتني يأخذني النّعاس. فاختلط حلمي بالحمار بأحلام أفرزها نومي على ظهر الحمار. ولم أنتبه إلاّ والدّابّة تقف بي أمام بناء مهجور وسط مرج مزروع حبوبا. كانت الشّمس إلى غروب. فقلت في نفسي، هذا بيت يمكن أن يصلح ملجأ لقضاء الليلة وسأرى بعد ذلك ما يمكن أن أفعل. في تلك اللحظة ظهر إلى جانبي رجل يسألني إن كان يمكنه أن يركب معي بعض مسافة. فقلت له ما قال لي الشيخ. ونزلت عن الحمار. فركب هو دون أن يقول لي شيئا. وانطلق بالدّابّة في الاتّجاه الذي منه أتيت.

*****
أحلام... ذكريات... ذكريات أحلام...
... تطول الليالي في القصر المنيع ويطول السّهاد. ويطول الطّريق إلى تازغران ويلتفّ حول الجبال ليعود إلى نقطة الانطلاق، فلا أصل أبدا إلى قريتي الحمراء. تتعدّد الليالي وتتشابه. أبيت ليلة تحت قنطرة وأخرى في مخزن مهجور، وما أكثر الخرائب بين هذه التلال الخضر. أنام لأستيقظ على رفيف جناحي أنيستي. توقظني ثمّ تسبقني فلا نكاد نصل إلى الطّريق الكبرى حتّى يظهر الحمار. وحين أركب، تظلّ فراشتي تحوم حولي كما لتذكّرني بأنّ كلّ انطلاق إلى وصول وبأنّ الرّبيع ولا ريب آت ليدحر الشّتاء.

... يطول الطّريق. فيهدّني الإعياء. وأشعر بأنّ حلمي يطول ويثقل ويتشعّب ويتمطّط، بينما نبضات قلبي المتعب من هذا السفر تدعوني أَنِ اسْتَيْقِظْ قبل أن تقضيَ من السعال والحمّى. أصرخ بين الجبال"اقرصيني يا أميمتي" ولكن ما من مجيب. يظلّ الليل والنّهار يتواليان عليّ، وأنا في نفس اللحظة الزّمنية، أو هكذا يبدو لي. حمار يحملني ويركض بين نفس التّلال. لا أنزل من على ظهره إلاّ ليأخذه منّي راكب جديد. ولا أستيقظ من نوم جديد إلاّ لألقاه من جديد. فراشتي هي الأخرى بدأت تتعب ولكنّها بقيت على وفائها لي تلازمني كظلّي. أو لعلّني أنا من ألازمها.
أحلام... ذكريات... ذكرياتُ أحلام... نتف من أحلام تتوالى، يربط بينها حمار. إلى أن وجدتني، في منعطف حلم، أشرف أخيرا على البحر من أعلى هضبة. كدت لرؤيتي صفحة الماء أنفجر فرحا وأرفع صوتي عاليا بالغناء. ولكنّني توجّست خيفة في الحين، فالتفتّ. فإذا جماعة شداد يحملون عصيّا غليظة ويمشون وراء الحمار. همزت الدّابّة حتّى تحثّ السير ولكنهم مشوا على وقع خطى الحمار تماما. ثمّ التفّوا بي وحاصروني من كلّ الجهات. قالوا إنّهم جماعة صاحب الحمار. وإنّهم تعبوا من البحث عنّي حتّى عثروا عليّ أخيرا. وإنّ صاحبهم عازم على عقابي على سرقة حماره الشّخصيّ، وإنّ عليهم أن يأخذوني إليه حتّى يصنع بي في فراشه ما يصنعه بزوجته.
... عبثا ناديت خدّوجة الجعيّد حتّى تقرصني فأستيقظ. وعبثا تخبّطت بين أيديهم القذرة صائحا بأنّني لم أسرق أبدا أيّ شيء... ثمّ لم أدر كيف جرت على طرف لساني مقولة "أبي هريرة" المسعدي. فقلت لهم "أوهكذا يزنى الدّهر بالأمل البكر؟". فإذا بي يتهيّأ لي أنّني أعيش مرّة أخرى أحداث "حديث الكلب". فتغمرني الشّجاعة وأصيح فيهم : "دعوني ... يا أوضع من وهاد... يا أضعف من عباد ... يا أحقر من بعوض، يا بني الإنسان".
... وفتحت عينيّ. فإذا الليل من حولي سكون. وإذا أنا في مغارة بونيّة على رشم الماء يهدّد سقفها بالسّقوط على رأسي. نظرت إلى الخارج فإذا الليلة مقمرة وإذا على مسافة خطوات منّي زورق مطّاطيّ مربوط بحبل إلى صخرة. وفجأة رفرفت الفراشة أمام عينيّ ثمّ سبقتني إلى الزّورق. وتسارعت الأحداث. فلم أدر كيف وجدتني بدوري في الزّورق وكيف انطلقت مبتعدا عن اليابسة. التفتّ فإذا عشرون نفرا أو ما يزيد. كلّهم يخرجون من المغاور البونيّة حيث كانوا مختبئين. خلتهم في البداية من أعوان صاحب الحمار. ولكن هل كانوا ينوون الحرقة على هذا الزّورق الذي يتّسع بالكاد لخمسة أنفار منهم ؟


المهمّ أنّ الحظّ ساق مركبتهم إليّ لتكون من نصيبي وحدي. ومن يدري، ربّما أكون قد أنقذتهم هكذا من موت محقّق.

الهكواتي .../... يتبع

2009-02-13

بوصلة سيدي النّا... 20 نخلة وادي الباي

سنتي على جناح السّرد 50 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 20 من 23– 13 فيفري2009



المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الثانية :

نخلة وادي الباي



"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي



هذه بعض مقتطفات، صيغت في شكل يوميات، من كنش مذكّرات للأستاذة شين باء ميم، محامية المتّهم محمّد الأمجد بريقشة.

قفصة - الأربعاء ظهرا :


أنا في قفصة، حيث تحوّلت كما تحوّل عديد الزّملاء لحضور محاكمة الحوض المنجمي. اغتنمت فرصة إقامتي هنا للاتصال بالسيّد سفيان الجريدي، أستاذ اللغة العربية ومسؤول فرع اتّحاد الطّلبة السّابق، الذي ورد ذكر اسمه في تصريحات موكّلي محمد الأمجد بريقشة. ذهبت دون سابق اتّصال، بعد أن دلّني زميل على كيفية الوصول إليه. فطرقت باب مكتبه في المصلحة الإدارية التي يشتغل بها، ملحقا من سلك التّعليم. ولأنّ موضوع زيارتي لم يكن ذا علاقة بشغله، فقد اتّفقنا على موعد في وقت آخر. وجاء حسب الاتفاق.
أوّل ما ألاحظه في السّيد الجريدي تقيّده بمواعيده. وهذه وحدها خصلة نادرة في هذا الزّمن. ثم إنّه بدا لي، إلى جانب هذا، خيّرا ومتخلّقا وواقعيّا ومباشرا. قال لي بصراحة إنّه شكّل لنفسه رأيا خاصّا في المحاكمة التي تحوّلت وزملائي من تونس مخصوصا لحضورها، وإنّه يريد أن يحتفظ بآرائه لنفسه. وأضاف بكلّ وضوح أنّه كان دائما وما يزال رجلا مساندا للنّظام ومناضلا منضبطا. ذلك أنّه يشتغل بالسّياسة ويعرف أنّ هناك من يقف له بالمرصاد لتصيّد أدنى خطأ يقوم به، ولا يريد أن يُصيب أيُّ ضررٍ مسيرتَه بسبب حركة إنسانيّة أتاها أثناء الأحداث.

هكذا فسّر السّيد الجريدي رفضه القاطع الإدلاء شكليّا بأيّ شهادة في قضيّة موكّلي. ولكنّني شرحت له حساسية الوضع النّفسي الحرج الذي يعيشه محمّد الأمجد بريقشة، وحاجتي العاجلة لمعلومات حول مرحلة من جولته ضاعت آثارها تماما من ذاكرته، لعلّ فيها الدّليل القاطع على براءته. وحين تأكّد من إصراري على الوقوف إلى جانب موكّلي حتّى آخر رمق، مهما كان الثّمن، أبدى تفهّمه. وطرح عليّ السّؤال عمّا إذا كان يمكنه أن يثق بي.
وعدته بأن أحفظ سرّ حديثنا، وأن لا أكشف أبدا مصادري، ولا أستعمل ما قد يفيدني به من معلومات إلاّ في ما يخدم مصلحة موكّلي. واسرّ لي عندها بأنّ الصّدفة جمعته فعلا بمحمّد الأمجد بريقشة في الرّديّف، أوائل شهر جوان. ولكنّ ضغط الوقت جعلنا نـحدّد موعدا لمقابلة جديدة يحدّثني فيها عن ظروف هذا اللقاء.

*****
قفصة - الخميس زوالا :
يؤكّد السيد الجريدي أنّه رغم سطحيّة معرفته السّابقة بموكّلي، ورغم طول الفترة التي لم يره خلالها، فقد تعرّف عليه بمجرّد أن رآه.


"كنت في بيت أختي - قال - حين سمعت ضجّة جلبتني نـحو نافذة الطّابق الأوّل. في الحال تعرّفت على بريقشة الذي كان يصيح بينما كان أخرقان يضربانه بعصاتين غليظتين ويحاولان إقناعه بأنّهما إنّما يعملان هكذا على إخراج شيطان متملّك بـجسده. أمّا هو فكان يحاول أن ينهض متثاقلا ليغنّي "الورد جميل"."
نعم -أضاف السّيد الجريدي- قد يبدو هذا المشهد غريبا ولكنّ ذلك بالضّبط ما رأيت وما سمعت. وإلاّ فإنّني ما كنت لأتدخّل أبدا. بعيد عنّي الادّعاء بأنّ تدخّلي هو الذي أدّى إلى تخليصه من الأخرقين، وهما – حتّى أكون واضحا - لا يمتّان بأيّ صلة لرجال الشّرطة. فما إن نزلت الدّرج وخرجت من البيت حتّى رأيتهما يهربان دون أن أجد لهروبهما أيّ تفسير. نظرت فإذا جموع رهيبة من الشّباب والمراهقين تبدو قادمة من بعيد وهي في حال هيجان وصياح. فما كان مني إلاّ أن سحبته إلى داخل البيت حتّى مرّت الجموع وابتعدت.
"قال لي - قال - إنّه كان يتألّم وإنّه غريب عن البلدة وقد وجد فيها بمحض الصّدفة وإنّه كان يبحث فقط عن أيّ صاحب سيّارة متّجه إلى الشّمال للرّكوب معه. الحمد لله أنّنا حين خرجنا، وجدنا سيّارتي سليمة كما تركتها. سلكت بعض الأنهج الضّيّقة لأبتعد عن السّاحات الكبرى ثمّ انطلقنا في اتّجاه قفصة.
"كان بريقشة مضروبا على قفا رأسه- تابع محدّثي - وكان جرحه يبدو سطحيّا، ولكنّه كان يشكو من الدّوار. وكان بعض دم يبلّل شعره ويسيل على رقبة قميصه. فأعطيته مجموعة من المناديل الورقيّة ليضغط بها على مكان الجرح في انتظار أن نخرج بسرعة من المدينة ونجد صيدليّة في أقرب قرية تعترضنا. وحين توقّفنا، كان الجرح قد انتفخ. عرضناه على الصّيدليّ فاكتفى بتنظيفه وحصره بضمادة. وطلب منّا الذّهاب إلى طبيب في الحال."
وأضاف السيّد الجريدي : "كان بريقشة طول الطّريق يسعى إلى الدّخول معي في حوار. كان يريد أن يعرف ما إذا كنت أشتغل وفي أيّ مجال. ولكنّني كنت أتركه يتكلّم وأتحاشى الجواب. كان يقول كلاما واضحا مرّة ويغمغم بشتات كلمات غامضة مرّة أخرى. حدّثني عن بوصلة وعن بحّار وعن رحلة نـحو الشّمال. وكان يتكلّم كما في حلم، بأسلوب مفكّك وكلمات متقاطعة. كان حديثا أشبه بشريط سينمائيّ سريالي. فقد كان يصيح من الألم ثمّ يصدح مباشرة بأغنية "الورد جميل". وكان في صوته من العذوبة ما يعمّق شعوري بمأساته. ولكنّني رغم اقتناعي بنبل حركتي الإنسانيّة، فقد شعرت فجأة بالخوف من أخذه إلى المستشفى. فمن يدري ؟
وكلّما اقتربنا من قفصة – يضيف مخاطبي – كلّما زاد ندمي على أنّني حاولت إنقاذه. حتّى أصبحت متردّدا في الدّخول إلى المدينة. أمّا بريقشة فكان يهمد برهة ثمّ يهبّ فجأة من فرط ألمه ليخاطبني بصوت من يوشك أن يفقد وعيه. كان يطلب منّي المساعدة، ويناشدني أن آخذ منه البوصلة إن كنت أنا صاحبها. ثمّ يهمد قليلا. ثمّ يقول: "خذني إلى الشّمال".
"حين صرنا على بضع كيلومترات من قفصة - قال - شعرت به يهوي إلى الأعماق وخشيت عليه من الغيبوبة. فأنزلته من السّيّارة لأنشّطه وأساعده على التّنفّس العميق. سألته إن كان يقصد القيروان. فأشار برأسه أن لا. "طيّب هل تقصد القصرين ؟" سكت تماما. ووجدت أنّه يستسلم تماما للإغماء، فأعدته إلى السّيارة وانطلقت. ومن فرط ارتباكي، دخلت مباشرة في مسلك يقصّر المسافة إلى القصرين.


"حين وصلنا – أضاف محدّثي - فكّرت في أن أتركه في مقهى وأنصرف. وفعلا توقّفت به عند أوّل مقهى. وهو عبارة عن محلّ متواضع لم يكن به من الحرفاء سوى ثلاثة، كلّهم من الشّبّان. هرعوا إلينا في الحال فأجلسناه على كرسيّ وأتينا له بماء بارد غسلنا به وجهه. ولكنّه بقي غائبا عن وعيه. شرحت لهم أنّني على عجلة من أمري، وأنّه عليّ أن أنصرف في الحال. أمّا عن بريقشة، فقلت لهم إنّه مجهول وجدته ملقى على قارعة الطّريق في مخرج المدينة، فعدت به إليهم لعلّهم يساعدونه في العثور على عائلته.
وقبل أن أنصرف - يقول محدّثي ختاما - وصل شابّ بمحض الصّدفة. فتعرّف عليه، وتطوّع للاهتمام به، ووعدني بالتّصرّف لأخذه إلى طبيب. فتركته بين يديه وعدت إلى هنا لا أدري إن كان عليّ الشّعور بالارتياح لتخلّصي من مصيبة كانت ستحلّ بي، أم بالذنب لأنّني اعتزمت فعل الخير ولم أجرؤ على الوصول به إلى منتهاه.
ختاما، سألت السّيّد الجريدي إن كان يذكر اسم أحد من الشّبّان الذين ترك لهم الاهتمام بمحمّد الأمجد بريقشة. فقال إنّه لا يذكر الأسماء وإنّما فهم أنّ الذي تطوّع للاهتمام به كان شاعرا. وأنّه إنّما كان يفعل ذلك اعترافا بجميل بريقشة الذي كان قد أخذ بيده حين كان طالبا، ونشر له قصائده في مجلّة كان يصدرها نادي الأدب بكلية الآداب.

*****

قفصة – مقهى نخلة وادي الباي – الجمعة مساء :
......................................
... ثمّ لم أدر كيف عاد بنا الحديث إلى محمّد الأمجد بريقشة. فأفادني سفيان بأنّه لم يلاحظ أيّ خلل على ذاكرته في البداية. حيث تذكّره جيّدا هو الآخر رغم أوجاعه. بل إنّه تذكّر حتّى نادرة حصلت لهما في أوّل لقاء جمعهما بمشرب كلّية الآداب بمنّوبة منذ ما يقارب العشر سنوات.
كان سفيان في آخر سنة من دراسته بالكلّية، حين عرف محمّد الأمجد بريقشة وهو في أوّل سنة له هناك. بعد إلحاح منّي، روى لي سفيان الطّرفة التي حصلت له مع موكّلي، فأثّرت فيه تأثيرا بالغا وجعلته لا ينساه أبدا. قال:
"كان بريقشة في المشرب مع ثلّة من رفاقه حين تقدّمت منهم واقترحت عليهم الانخراط معنا في صفوف طلبة الحزب. فكان جوابه غاية في الطّرافة. قال لي : " كلّنا منخرطون في حزب الخبزيست. ولكن عندي لك اقتراح. من المفروض أنّك أكثر منّا ثقافة، ما دمت في السّنة النّهائيّة. كما يعرف عن جماعة قفصة الذين أعرفهم جيّدا، أنّهم يحبّون السّينما وأنّ ثقافتهم في هذا المجال عريضة. لذلك أطرح عليك سؤالا في السّينما. فإن كان جوابك صحيحا، فإنّني سأنخرط معك دون قيد أو شرط، وربّما انخرط الجماعة أيضا. ولكن إذا أخطأت فلا أطلب منك إلاّ أن تدعنا وشأننا ولا تعد لطرح مقترحك على أحد منّا وإلاّ فإنّني، والله، سأشكّل قائمة تدخل الانتخابات باسم حزب سيدي بلحسن الشّادلي. ولأنظّمنّها حملة بهزيم البنادر. وسترون كيف نفوز بكلّ مقاعد مجلسكم العلميّ."
وأضاف سفيان ضاحكا، محاولا تقليد صوت وحركات محمّد الأمجد بريقشة :
"كان عليّ أن أجاريه، لأرى إلى أين يريد الوصول. فإذا به ينظر إلى ساعته ويقول : "الساعة الآن الثامنة وعشرين دقيقة. فهل تعرف إن كان يوجد شريط سينمائيّ عنوانه "ثمانية ونصف" ؟ وإذا كان جوابك نعم، فمن هو مخرجه ؟" فضحك الجميع وكان يظهر عليهم أنّهم مثلي لا يعرفون الجواب. فأضاف هو ناطقا العنوان بالفرنسيّة "8.5 هذا معدّل لا يمنح الحقّ في الإسعاف في آخر السّنة". فقدّرت أنّها فذلكة منه. وأجبته بأنّ مثل هذا الشريط لا يكون إلاّ من محض إنتاج طرافته وبأنّني أعده إن كان عنده اطّلاع على السّينما بأن أقترحه لتنشيط نادي السّينما المزمع إحداثه بالكلّية.
وتابع سفيان : ولكنّ جوابي كان خاطئا، فأعطاني بريقشة من الذّاكرة كلّ المعلومات المتعلّقة بهذا الشّريط. وطلب منّي أن أتثبّت من أمر وجوده الفعلي، مساء ذلك اليوم بالذّات، بمتابعة برنامج السّلسلة المخصّصة للسينما الإيطاليّة على إحدى الفضائيّات المختصّة في بثّ الأفلام الثّقافية.
وأضاف :
لم يهدأ لي بال قبل أن أشاهد "Otto e mezzo"، هذا الشّريط الذي أنتج قبل ولادتي بثلاث عشرة سنة، والذي بثّ تكريما للمخرج فيديريكو فلّيني ولممثّله الأيقونة مارشيللو ماستروياني. وهكذا إنّما وجدتني أصاب بعدوى حبّ السّينما بسبب فذلكة محمّد الامجد بريقشة. وطبعا، أوفيت بوعدي بعدم العودة لدعوته إلى الانخراط في المنظّمة الطّالبيّة. ورغم مساندتي ترشّحه لتنشيط نادي السّينما، فلا هو ولا رفاقه أدلوا بأصواتهم في انتخابات المجلس العلمي.



*****


قفصة – السبت - السادسة صباحا
اليوم أفقت باكرا. أحسستني مشدودة إلى سفيان، بل معجبة بنضجه السّياسي، مقتنعة بإستراتيجيته وبمقاربته للأمور. وبحركة شبه آليّة، طلبته بالهاتف لأودّعه قبل الانصراف إلى العاصمة. ولكنّه أصرّ على أن أشرب قهوة الصّباح معه.قبل أن نفترق طلب عنواني الشّخصي وعنوان المكتب الذي أشتغل به. قال إنّه يريد أن أكون ذات يوم خارجة من العمل أو راجعة إلى البيت فأجده فجأة أمامي...
من يدري ؟ مكتوب...



الهكواتي .../... يتبع

2009-02-06

بوصلة سيدي النّا... 19 زقاق الصّمت، عدد 3

سنتي على جناح السّرد 49 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 19 من 23– 06 فيفري2009


المسلك الثالث :

بدري في التّمّ

الوجهة الأولى :

زقاق الصّمت، عدد 3


"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي


ليس كباب تونس مجرى تهبّ عبره الرّياح.
معروفة رياح باب تونس. تهبّ دائما... وهكذا دواليك، إلى آخر ما سلف من القول:

اتّجاه واحد...
دخول ولا خروج...
عبور...
انكسار ...
انـحدار مع النّهج...
صدى لا يصل أبدا...
اصطدام بالسّور الأصمّ ...
انـحراف ...
"اسكت، اصمت، أغلقْ، سدّ"... و"الباب الذي يأتيك منه الرّيح..." و.... تعرفون الحكاية كاملة فلا فائدة من اجترارها مجدّدا. ولكن، الأمر مختلف هذه المرّة. فالمعنيّ بالأمر سكت عن الكلام تماما، حين فهم أنّ خيط حكايته أفلت نهائيّا من بين يديه.

*****

سكت محمّد الأمجد بريقشة نهائيّا. فمن قائل إنّه لم يتحمّل الضّغط فأصيب بالخرس الكامل. ومن قائل، بالعكس، إنّه ليس في الأمر خرس بل صمود، إذ أنّه يرفض أن يقول ما لم يكفّ المحقّقون عن السّعي إلى توريطه في جرائم لم يرتكبها. ومن قائل إنّهم يئسوا من أن ينتزعوا منه أي اعتراف، فتركوا سبيله، وانتهوا بإيوائه مع ذوي الأمراض العصبيّة المستعصية. بل إنّ هناك من يدّعي، في رواية أخرى، أنّ بناية-مخبرا أنشئت مخصوصا من أجل محمّد الأمجد بريقشة، وأنّه يقيم فيها اليوم تحت المراقبة، كفئران التّجارب، حتّى تجرى عليه فحوص معمّقة وتجارب معقّدة في إطار دراسة متعدّدة الاختصاصات هدفها إيجاد حلّ جذري لمشاكل جيل بأكمله.
كلام كلّ هذا. كلام تذروه كلّ ريح بعيدة. أمّا الثابت في كلّ الأحوال، فهو أنّ محمّد الأمجد بريقشة، سواء رفض النّطق من تلقاء نفسه أو دفع إلى الصمت دفعا أو أصيب فعلا بالخرس، فلقد كفّ نهائيّا عن أن يكون له صوت يسمع. والثّابت في كلّ الأحوال، هو أنّ زنقة بريقشة لوحدها، أصبحت اليوم تعُدّ من البكم ثلاثة. والحمد لله على أنني لست بارعة في الحساب وإلاّ لانشغلت بعمليّات معقّدة لعدّ أزقّة المدينة ومراقبة حركة زحف الصّمت عليها على ضوء نسبة زحفه على زنقتنا.
لك الله يا محمّد الأمجد، يا ولد جارتي. لك الله في محنتك، صارت لا تعني سواك. لا معين لك فيها ولا نصير غير محامية متربّصة، تروح وتغدو بين أروقة السجن وزنقة بريقشة. لا معين غيرها ولا نصير، بعد أن رفعت أختك الوحيدة يديها وأعلنت عجزها عن مزيد الانشغال بأمرك. لا معين غيرها ولا نصير، تخاصم من أجلك، وتجوب البلاد، تبحث عن دلائل تثبت براءتك، وعمّن قد يكون رآك تعبر أو تقيم، فيتطوّع للإدلاء بشهادة من أجل الحقيقة وحدها. ثمّ لا معين غيرها ولا نصير، يؤمن بوجود بوصلة تركها لك سيدي النّا... فأضعتها أو سرقت منك في الطّريق.

*****


الثّابت في كلّ الأحوال أنّ صاحب الشّأن سكت. فلماذا إذًا أنتظر من رياح باب تونس أن تواصل الهبوب في نفس الاتجاه ؟ لا حاجة لعرّاف يبيّن أنّ الرّياح ما عادت هي الرّياح، وأنّ الباب السقيفة ما عاد هو الباب السقيفة، وأنّ الزّمان ما عاد هو الزّمان. ما عادت رياح باب تونس تهبّ كما ننتظر منها الهبوب، ولا هي عادت تتّجه إلى حيث نشتهيها أن تتّجه، ولا عادت حتّى تهبّ كما تشتهي لها تلقائيّة تموّجها أن تهبّ. لم يعد معبر الباب السّقيفة وحده ما يغيّر مجراها. فقد أُعدّت لرياح باب تونس، من حيث لا نعلم، مسالك أخرى، وقنوات أخرى، وذبذبات أخرى، تحمّلها في كلّ مرّة بما هو منتظر وبما يمكن أن ينتظر وخصوصا بما ما لا ينتظر أصلا. والويل لمن تعوّد على هبوبها فقط في صالحه. الويل لمن لا يزال ينتظر منها الخير وحده. فهو يبني على فراغ. ومن لم يعاشر الفراغ بعد، فليأت ليسمع البّيه صبريّة إذ تحدّث عنه.
الثابت في كلّ الأحوال أنّ صاحب الشّأن سكت. فما حيلة الواحدة منّا إذ تضجّ منها الرّئتان ولا يجد الصوت حبالا تتشبّث بها الآهات للخروج ؟
لك الله يا خدّوجة يا امرأة بريقشة. حملت وولدت وربّيت... وصبرت حتّى تري من كبّرت. ثمّ لم يكن من القدر إلاّ أن جازاك بحرمانك من ضناك وهو حي يرزق. ثمّ لم يكفه ما نالك، فزادك شللا على خرس وصادر منك حرّية الحركة وحقّ اتخاذ القرار بشأن مصيرك. وها أنت ذي يا جارة العمر تحت الوصاية. ها أنت مكرهة على الإمضاء على ورق أبيض حسب مشيئة ابنتك، ثم على الرّحيل عن بيتك وفي القلب منّك غصّة.
لك الله يا جارة العمر حيث انتقلت، أمّا أنا فقد بقي لي من بعدك الواحد الأحد. بقي لي الرّحمان الرّحيم. وبقي لي أيضا كلّ هذا الفراغ الذي تتركين، فتضيق به هذه الزّنقة بديارها الثّلاثة التي فقدت الرّوح إلى الأبد.

*****
حين هبّت الرّياح بخبر تملّك صوّانة بدار بريقشة، لم تكن المحامية قد أعلمت رشيدة بعد بنتائج الاختبارات النّفسية التي أخضع لها أخوها. كانت رشيدة في الشهر الثّامن من حملها. وفي إحدى الليالي رأت كوابيس أخرجتها من فراشها في قميص النّوم. فرّت من غرفتها صائحة تخترق الفناء إلى السّقيفة ومنها إلى الزّنقة. وكانت ستوقظ، بصراخها، أهالي باب تونس قاطبة. ولولا عون الله، لما تمكّن زوجها العيّادي التوهامي من اسكاتها ولا من السّيطرة على هيجانها وإرجاعها إلى فراشها.
وككلّ مرّة هبّت فيها رياح باب تونس بما لم نكن نشتهي، أفقنا، من الغد، عل شائعة هذه الجنّيّة التي جرفت الآلات مسكنها في السّواني فقرّرت الانتقام من أصحاب الأرض بتملّك دارهم في باب تونس. وسرعان ما قطعت رشيدة الخطوة الحاسمة في اتجاه القول إنّ الجنّيّة استقرّت في دار بريقشة بسبب الأشغال الجارية في سانية صوّانة. وسرعان ما اقتنعت بأنّ هذه الجنّيّة بالذّات قد استقرّت في غرفتها فأخذت تقضّ مضجعها وتنبّه عليها في كلّ ليلة بأنّها لن تسمح لها بالولادة في هذا المحلّ الذي صار محلّها ولم يعد يحقّ لأحد أن يقاسمها الإقامة به ما عدا محمّد الأمجد طبعا. بل إنّ الجنّيّة صارت، على ما تقول، تمنعها من النّوم تماما، وتهدّدها بأنّها إن أغمضت عينيها فسيكون عقابها موت جنينها في بطنها.

ولم ندر كيف تفاقمت أزمة رشيدة دون سبب ظاهر، فإذا عندها حساسيّة مفرطة من مجرّد ذكر اسم أخيها الذي طالت قضيّته حتّى ثقلت عليها بما لم تعد تطيق. وإذا هي تقدّر ألاّ أحد غير مجدة كان سببا في ما يحصل لها، وأنّه هو من كلّف جنّيته صوّانة بأن تنغّص عيشها عقابا لها على أنّها لم تصدّق وجود علاقة جدّية تجمعه بها أو على أنّها أقدمت على الزّواج من العيّادي التّوهامي دون انتظار عودته.
وبتفاقم أزمة رشيدة، كان لزاما على العيّادي التّوهامي أن يعرضها على عرّاف من بلدته، مازالت الصّحف تنشر صوره كلّ يوم، وتشيد بكراماته. فإذا العرّاف موافق لها على طول الخطّ ذاهب مذهبها في تأويل كوابيسها. وإذا هو يؤكّد لها أنّها لن تستطيع الوضع ما لم تقطع كلّ صلة لها بدار بريقشة. حتّى أنّه نصحها بأن تنتقل بالسّكنى إلى خارج السّور. وسمح لها باصطحاب والدتها معها شريطة أن لا تبقى لها هي الأخرى أيّ صلة بالدّار المتعيّن هجرها.
وهكذا أخذت رياح باب تونس تهبّ بسرعة جنونيّة خلّفت في زنقة بريقشة فراغا لا يمكنني إلى السّاعة تقدير مدى عظمته. كانت في زنقتنا دار مهملة من سنين. دار زينوبة. تقشّر كلّ جصّ الجدار في واجهتها حتّى ظهرت من تحته الحجارة. وتشقّق باب الدّار وانطفأ لون طلائه الذي كان أزرق في ما مضى، على ما أذكر. ولم يبق واضحا للنّاظر على الباب سوى الرّقم "واحد" مكتوبا بالأبيض على صفيحة حديدية كانت في الأصل زرقاء داكنة وما تزال مثبّتة في أعلى المصراع الأيمن. لم يخطر ببالي أبدا أنّ هذا الرّقم كان منذ الأزل يخفي هذه الدّلالة المرعبة، وأنّ إهمال دار زينوبة لم يكن أكثر من مجرّد بداية لنهاية آتية لا محالة.
بعد أن نـجحت في كبت كلّ أحاسيسي وأنا أعانق خدّوجة طويلا، وبعد أن حملتها مع رشيدة لمساعدتها على ركوب السّيّارة، وبعد أن راقبت انطلاق الشّاحنة الأخيرة المحمّلة بالأثاث، إلى أن غابت في النّهج المفضي إلى خارج السّور. أخذت أتأمّل الرّقم "اثنين" على باب دار بريقشة وقد أغلق نهائيّا. ثمّ التفتّ إلى الباب المحاذي الحامل الرّقم "ثلاثة" فلا أستطيع منع نفسي من البكاء. فالدّار الثالثة دارنا. وهي الأخيرة التي بقيت مسكونة في الزّنقة، تماما كما أنّني الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة من كامل عائلتنا.
زنقة بأسرها للبّيه صبريّة، لامرأة بكماء معزولة حتّى عن جيرانها الأقربين، لا يحمل لها هبوب الرّيح غير مزيد من الوحشة والخوف ممّا سيكون عليه الغد.
فأيّ مآل لي غيرك يا زنقة الصّمت ؟
وأيّ حومة لي غيرك يا باب تونس ؟
وأيّ فضاء يقبل بالبّيه صبريّة، إن أنا تجرّأت على الرّحيل ؟

*****
أيّ ريح أتت بعامر البينتو إلى باب تونس ؟
هل صحيح أنّه لم يكن يعلم ؟
وما الذي جاء يبحث عنه بالضّبط في دار خالته ؟
بعد مرور أكثر من شهر على رحيل جارتي، وبعد أن بدأت أتعوّد على وحدتي في زنقة الصّمت، حلّ عامر البينتو دون أيّ مناسبة. أوقف سيّارته أمام الزّقاق وأخذ يزمّر بقوّة حتّى أخرجني من مطبخي والقدر على النّار. قال لي إنّه جاء يستلطف لخالته ويعزّيها عمّا آل إليه مجدة من جنون. "جنون يأخذ عقلك أيّها الفاجر،" قلت في نفسي.
وانطلق عامر البينتو يسبّ رشيدة وزوج رشيدة على تركهما دار خالته مغلقة دائما. ويصرخ في وجهي طالبا أن أفتح له الباب كما في المرّة السّابقة. الحمد لله على أنّني خرساء. أفهمته بالإشارة أنّ الباب أقفل نهائيّا وأنّ الجماعة هربوا من الجنّية وانتقلوا للسكنى في مكان بعيد. ولكنّني تعمّدت أن تكون إشاراتي غامضة وأنا أتظاهر بإرشاده إلى العنوان حتى لا يستطيع تحديد المكان الذي انتقلوا إليه.

فرشيدة تكره عامر البينتو حدّ الموت. وأنا أعرف أنّها لا تريده أن يزورها في بيتها الجديد الذي لم يعد بيت خالته على كلّ حال. أنا أيضا لا أحبّ هذا الكلب، بل هذا الحلّوف المسمّى عامر البينتو. حين يئس من فهم إشاراتي، سبّني وامتطى سيّارته وانصرف. هكذا هو، يطلب منك خدمة بلهجة الآمر، وحال ما يحصل عليها يهينك مباشرة. أنا بصراحة فرحانة لكارلا بيكولو بانفصالها عنه. استراحت منه المغبونة.
إذا صحّ ما قيل فقد تكون كارلا بيكولو دفعته إلى بيع كلّ ما يملك بما في ذلك بيت أبيه في الرّبط، ثمّ صفّت كلّ أملاكها هنا، ورحلت إلى بالرمو نهائيّا، لتتركه لاجئا في دار العجل، بلا أيّ مورد رزق. هذا على الأقلّ ما يقال. هي طبعا رياح باب تونس تنفخ في الكلام على طريقتها. ولذلك فهناك أيضا من يقول إنّ البينتو ما يزال يعيش سعيدا مع زوجته الطّليانة.
ولكن هناك من يعتقد أنّهما انفصلا عن بعضهما فعلا، ولكنّه يؤكّد أنّ الطّلاق تمّ بالتّراضي، وأنّ عامر البينتو هو الذي خرج منه الرّابح الوحيد، إذ أنّه اقتسم مع كارلا بيكولو ثروتها بالتّساوي. أمّا عن بيعه دار الرّبط والمطعم العائم، فيقال إنّه مجرّد تجميع لثروته في حساب واحد، للاشتراك بها مع النّاجي العجل في بناء مركّب ترفيهيّ على أرض سانية صوّانة، يتكوّن، على ما يقال، من خمس عمارات مجهّزة بجميع المرافق تجمع بين الشّقق السّكنية والمحلات التجارية والمطاعم والمقاهي.
كلّ هذا كلام يقال طبعا. ولكنّ الشائعة الأكثر تداولا تفيد بأنّ الطّلاق حصل فعلا وبأنّ راضية بنت كحلة هي التي كانت المحرّضة الأساسيّة عليه. ما أعرفه عنها هو أنّها، من أصلها، خطّافة رجال. يقال إنّها زيّنت لعامر البينتو التّخلّي عن أجنبيّته العجوز، وطمّعته بالزّواج من شابّة في عمر الزّهور. فاستطاعت هكذا أن تلعب بعقله حتّى جرّته إلى الاعتراف بحفيدتها اللقيطة ميارى.
ما أعرفه أنا، وقد كنت حاضرة، هو أنّ راضية جاءت إلى خدّوجة بعد أن شاع خبر غرق مجدة. وقد صدمت الجميع، يومها، بادعاء حمل ابنتها من الغريق. وحلفت بأغلظ الأيمان أن لا أحد لمس ابنتها غير محمّد الأمجد بريقشة، وأنّ عيشوشة نفسها، عليها الآن رحمة الله، أعلنت عن وجود هذه العلاقة وأصرّت على الاحتفاظ بالجنين وفاء لروح من كان يعتبر في عداد الأموات. وما زلت أذكر أنّ بعض البنات من خارج السّور تولّين الدّفاع عن عيشوشة ورأين فيها مثالا للشّجاعة ورمزا للدّفاع عن حرّية الإنجاب. إذ أنّها أصرّت بعد الوضع على أن تعيش مع ابنتها لتربّيها بمفردها وتتحمّل مسؤوليّة اختيارها.
أعرف أن كلّ هذا يجعل إقحام عامر البينتو في مسألة ميارى صعب التّصديق. ولكنّني أعرف أيضا قدرة راضية بنت كحلة على المناورة وتغيير الخطط من النّقيض إلى النّقيض. فما دامت لم تجد طريقا إلى إلصاق اللقيطة بمحمّد الأمجد بريقشة، وطالما أنّ غايتها كانت فرض الزّواج على ابنتها بأيّ ثمن، فأي حرج كانت ستجد في البحث عن أب لحفيدتها، باختلاق أيّ خرافة أخرى مع أيّ رجل آخر غير مجدة ؟ وإلاّ فلماذا راج أنّّ عيشوشة لم تمت بسكتة قلبيّة كما قيل للنّاس، وإنّما انتحرت ؟ ولأنّها قد تكون أكرهت على إمضاء عقد زواجها، فإنّها وضعت حدّا لحياتها حتّى لا يحصل أبدا أن يوجد عامر البينتو في غرفة مغلقة عليهما معا.
بل إنّه يقال - اللّطف يا صاحب اللّطف - إنّ راضية ما كادت تدفن ابنتها حتّى دعت البينتو ليسكن في نفس غرفة الميّتة وينام في نفس الفراش الذي انتحرت عليه. كلّ هذا بدعوى أنّ ذلك يجعل البنيّة تتعوّد على أبيها. أمّا ما يدور في بيت النّاجي العجل في غيابه، فالله وحده أدرى به...

*****

... الحمد لله على أنّك بكماء يا بّيه صبريّة... وإلاّ فكم سيكون على رياح باب تونس أن تحمل من حكايا...

الهكواتي .../... يتبع

2009-01-30

بوصلة سيدي النّا... 18 مخبأ القمر

سنتي على جناح السّرد 48 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 18 من 23– 30 جانفي 2009

المسلك الثاني :

صوّان فوق الكثبان

الوجهة السابعة :

مخبأ القمر

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

أين يختبئ قمر الليالي الظّلماء ؟ هذا هو الإشكال الحقيقي. لو عرفت المخبأ، لفهمت ربّما سرّ كلّ هذه العتمة التي تعمي بصيرتي وتلتفّ على ذاكرتي فتمنعني من الوصول إلى آخر طريقي. حتّى في الحلم، يظلم المشهد فجأة، وفجأة يختفي القمر في مخبئه المجهول. فأجدني أسبح في الغياهب، ولا أدري إن كنت سأستيقظ أم أنّ كابوسا جديدا سيتلقّفني ساخنا مع مطلع قمر جديد.

... متعوّد على العتمة. وحدي من جديد، ممدّد على محفّة، وعلى عينيّ عصابة سوداء. قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. وممرّض السّجن فظّ غليظ القلب، يطبّق تعليمات رؤسائه ولا يريد حتّى سماع رأيي. أصيح فيه بأنّني أعترف بأبوّة ميارى دون أيّ حاجة إلى تحليل جينيّ. ولكنّه يغرز في عرقي، مع ذلك، إبرة بطول الرّمح، ليملأ من دمي قارورة كاملة. ثمّ ينصرف ضاحكا منّي، بينما لا رغبة لي في الضّحك.

*****

... مغارة بونيّة منقورة في الصّخر على رشم الماء. ياه ... جزيرة الغدامسي أخيرا... كيف وصلت إليها من الوطن القبليّ في جرية واحدة ؟ هي ولا شكّ حرارة الرّوح كما تقول خدّوجة الجعيّد. منذ متى لم تسعفني أحلامي بمثل هذا الحدث السّعيد ؟ أخيرا أعود إلى البلد. وأُفلِت من صاحب الحمار وعصابته. ولكنّني أرى كما لو أنّني أشعر بالخجل من نفسي وأخشى العودة إلى البيت... لذلك أقنع نفسي بالبقاء في الجزيرة، لعلّ عيشوشة تشتاق إليّ قليلا فتأتي للقائي، أو لعلّ عابرا يتفطّن إلى حضوري، فيصل الخبر هكذا إلى باب تونس، ويأتي الجميع لإرجاعي إلى البيت من جديد، كما كانت المرأة الغضبانة تعود إلى دار زوجها قديما... صورة تبعث على نوبة جديدة من الضّحك الاّإراديّ، لا نهاية لها...
... مغارة بونية منقورة في الصّخر على رشم الماء. ولكنّ كلّ ما فيها ينذر بالانهيار. شقوق تتّسع شيئا فشيئا، حتّى ليبدو لي أنّني أسمع قرقعة الصّخور وهي تتمزّق فينفصل عن بعضِها بعضُها الآخر. هل سيتحوّل الحلم إلى كابوس جديد، ونوبة الضّحك إلى نوبة دموع ؟ ولكن أين المارينا ؟ هل نقلوها من موقعها ؟ صورة أخرى تبعث على نوبة أخرى من الضّحك. لماذا لا أسأل الحارس الملفوف في عباءته اتّقاء البرد ؟
- لا توجد مارينا في الهوّارية. ولكن كيف دخلت إلى هنا ؟ الدّخول إلى الموقع ممنوع منعا باتّا، وبخاصّة في الليل. ألا تحسن القراءة ؟
... محمّد الأمجد بريقشة لا يحسن القراءة ؟ نكتة أخرى، نوبة ضحك أخرى. الحارس الملفوف في عباءته اتّقاء البرد يغضب من قهقهتي. يأمرني بإخلاء المكان حالاّ حتى أتجنّب ما قد يلحق بي وبه من تبعات. ولكن إلى أين عساني أذهب ؟ إذا كنت ما أزال في الهوّاريّة، فمعناه أنّ عصابة صاحب الحمار مازالت، ولا شكّ، تترصّدني على الرّبوة. أغافل الحارس وأتسلّل إلى مغارة أخرى متداعية للسقوط هي الأخرى. فأتخذها ملجأ. ولتنهر بالكامل على رأسي إذا عنّ لها الانهيار.
... مغارة بونية منقورة في الصّخر على رشم الماء. واللّيل سرعان ما يدلهمّ. القمر يختفي من السّماء. ينطفئ شعاعه الفضّي من على صفحة الماء. فإذا أنا أسبح في ظلام دامس، عتمة لم أر مثلها في حياتي قطّ. ولولا صوت الماء يهمس خريره للصّخور النّاتئة، في مدّه وجزره، لبدا لي أنّ الحياة انقطعت فجأة. فالصّمت هنا أحلك من الظّلمة ذاتها. ولكن، أين يختبئ قمر الليالي الظّلماء ؟

*****

... متعوّد على العتمة. قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. أخيرا تصل الأستاذة محاميتي إلى السّجن. ترفع من على عينيّ العصابة السّوداء. وتفتح الشبّاك ليدخل نور النّهار:
- سنطالب في الحال بفحص نفسي قصد الحصول على مهلة قبل إخضاعك إلى الاستجواب الرّسمي. لا أريد أن يتمّ عرضك على الطّبيب النّفسي بناء على طلب التحقيق. لأنّ مهمّة الطّبيب تكون، عندئذ، التّأكّد ممّا إذا كنت مريضا فعلا أم أنّك تتصنّع المرض. أمّا حين نطالب نـحن بالفحص، فإنّ مهمّة الطّبيب ستكون البحث عمّا إذا لم يكن من الظّلم إخضاعك للتّحقيق أصلا، وإزعاجك بأسئلة من شأنها أن تعكّر حالك النّفسيّة. هناك فرق في الطّرح القانوني، يا سي الأمجد، فرق بسيط ولكنّه جوهريّ.
- افهميني يا أستاذة، أنا لا أريد لقاء طبيب. أريد فقط أن أعرف أين يختفي قمر اللّيالي الظّلماء. فهذا هو الإشكال الحقيقي. لو عرفت المخبأ، لفهمت ربّما سرّ كلّ هذه العتمة التي تعمي بصيرتي وتلتفّ على ذاكرتي فتمنعني من إعطائهم أجوبة واضحة عن كلّ أسئلتهم.
- آه، والله ؟ يمكن، يمكن... ولكن هناك، في انتظار عرضك على الطّبيب، مسألة أخرى مهمّة أريد أن أنبّهك إليها، يا سي الأمجد. في خصوص ميارى بنت عيشوشة العجل. لا تقل لأحد مستقبلا إنّك تعترف بأبوّتك لها أو لا تعترف. فهذا شأن لا يهمّ غيرنا. كلّ تصريح يصدر عنك هنا يسجّل في ملفّك. النّاجي العجل سحب القضيّة المقدّمة ضدّك. هذا خبر مهمّ سنبني عليه. سأستغلّها فرصة، فأذهب إلى المخبر وأسحب من ملفّك التحاليل التي أجريت لك. وسيكون أمامنا الوقت، بعد فضّ القضية الأساسيّة، للتعامل مع مسألة ميارى بما يرضيك.

*****

... متعوّد على العتمة. الكون يظلم أمام عينيّ حتّى في وضح النّهار. كلّ عيون العالم تبصر جيّدا. إلاّ عيناي أنا بالذّات، فهما تعميان كلّما أحتاجهما لرؤية ما أبحث عنه. تازغران مثلا. نعم، أرى كلّ ما حولي. إلاّ تازغران، فأحوم حولها ولا أصل إليها أبدا. تعود الذّاكرة وتمضي الذّاكرة. يمضي الوعي ويعود الوعي وأنا أبحث عن تازغران، أو أستريح من البحث دون جدوى عن تازغران. لا أعرف لماذا، ولكنّ شيئا ما يدفعني إلى ركوب ظهر هذا الحمار والبحث دون كلل عن تازغران بالذّات. ولأنّني أصرّ على الوصول إليها، فهي تتعمّد التّموقع، ليلا ونهارا، في موضع العتمة من أفق رؤيتي.
ما اعترض طريقي أحد إلاّ سألته عن الطّريق. وما سألت أحدا إلاّ ضحك منّي وقال إنّ الطّريق واضح وإن ليس أسهل من الوصول إلى تازغران :
- آه، تازغران، تازغران. هْنَايَا ؟ ما على باليشْ يالْخُو أنَايَا غِيرْ تُورِيسْتْ هْنَايَا. بْحَالْ عَنْدِي وَاحْدِ الصَّدِيقْ دَيَالِي أمازيغي. وْنَعْرَفْ بِاللِّي تازغران، تْقُولْ انْتَايَا، بَالِكْ شِي الحمراء، وإلاّ الأحمر، اللّون الأحمر... أمّا بلاد، مَا عْلَى بَالِيشْ. وَلَكِينْ هْنَايَا، فْتُونِسْ، صْعِيبْ يَالْخُو. مَا كَايِنْشْ أَمَازِيغْ. بِالصَّحْ عِنْدْنَا فِي دْزَايِرْ مُمْكِينْ...(1)
لو لم أكن أعرف أولاد بوجمعة وزوجة بوجمعة، لقلت إنّه بوجمعة، وقد خلع عنه القشّابيّة وحلق شعر رأسه كما تُحلق اللّحى، وهرب بأهله من ضيعة السّلوقية، تاركا قطيع الحاجّة هنيّة لمصيره، ممتطيا سيّارة جزائريّة التّسجيل، ليسوح في قربص كأغنياء بلده الأصليّ. صورة أخرى مضحكة جدّا. ولكنّني أكبت ضحكتي مجاملة منّي حتّى تبتعد السّيّارة ثمّ أطلقها قهقهة تردّد أصداءها الجبال المحيطة وترتعد لها فرائص الحمار، فيتعثّر. ويختفي القمر فجأة. فيبدو لي وكأنّني أفقد سيطرتي على الدّابّة وأسقط، أعمى، لا أرى شيئا من حولي.

*****


... مغارة بونيّة منقورة في الصّخر على رشم الماء. وفي عرض البحر، صخور ناتئة وأمواج تعلو متلاطمة، ولا قمرَ ينير السّبيل. كلام كثير عن مركب ارتطم بصخرة، وعن ثقب تسرّبت منه المياه، وعن ثلاثين كلّهم دون الثّلاثين. نشدوا الحرقان إلى بلاد الطّليان فغرق منهم من غرق، والمنقذون مازالوا يبحثون عن البقيّة.

... في عرض البحر صخور ناتئة وأمواج تعلو متلاطمة، ولا قمر ينير السّبيل. وأعوان الحماية المدنية يحاولون العثور على ناجين، يرسلون أضواءهم الكاشفة من الزّوارق والمروحيّات، ويعملون على انتشال الجثث. وعلى اليابسة سيّارات الإسعاف تغدو وتجيء. تفتح أبوابها الخلفيّة لتستقبل الحارقين، جثثا هامدة أجسادا مرتخية فيها بقايا حياة.
... أعوان الحماية المدنية يحاولون العثور على ناجين. والشاطئ في هرج ومرج. على الرّمل صياح ونواح وحلقات نديب، وعلى الكرنيش ديار مفتوحة تضامنا مع الأمّهات الثّكلى. وهنا وهناك مئات الأهالي، ساهرون في انتظار رحمة الله، عسى تأتيهم بأخبار عن فلذات أكبادهم.
... الشاطئ في هرج ومرج. وأنا ؟ أيّ شأن لي أنا، حتّى أجدني هنا رائحا غاديا مع المنتظرين، أو متحلّقا مع النادبات والنّادبين ؟ فجأة يتهيّأ لي وكأنّ امرأة في عمر صلّوحة الجعيّد تهجم عليّ. تمسكني من رقبة قميصي كما لو أنّها تقبض على مجرم وتصيح بي :
- أخيرا قبضت عليك يا ابن الكلب. ألست أنت ولد خدّوجة ؟ ألست من جئت إلى القصرين في سيّارة الأستاذ القفصيّ وقابلت ابني كريم في مقهى المحطّة ؟
- نعم أنا ولد خدّوجة الجعيّد. ولكن، من قال لك إنّ كريم حرق؟ ليس هذا أكثر من كذبة يا سيدتي. لو حرق كلّ التّونسيين على آخرهم فإن كريم أولاد بالعيفي سيمتنع من تلقاء نفسه عن اقتفاء أثرهم. أنا أذكر له في حبّ تونس قصائد عدّة أجرت دموعي، لشدّة ما تأثّرت بكيفيّة إنشاده استحالة العيش بعيدا عن ترابها. لا يا سيّدتي. لا تصدّقي أبدا أنّه حرق ولا أنّه غرق.
- لن تنجح في خداعي بزيف كلامك المتظاهر بالتّعاطف يا ابن الحلّوفة. فأنت ممّن يقتلون الميّت ويمشون في جنازته. ألست أنت صاحب الزّورق ؟
- لا...
- كاد قلبي ينقطع عن النّبض يوم أعلمني كريم بأنّه مسافر وبأنّه تلقّى منك مكالمة تدعوه فيها إلى منزل بوزلفة ليعمل معك في جني البرتقال...
- ولكنّني قلت لبشرى التوكابري إنّ هذه التّهمة لا أساس لها. أنا لم أكلّم كريم أولاد بالعيفي أبدا، أبدا. فليس لي هاتف أصلا ولا أملك رقمه. ثمّ إنّني من باب تونس. ولست من منزل بوزلفة ليكون عندي برتقال للجني.
- لماذا تفعل بي هذا يا ولد بريقشة ؟ وأنت يا ربّي لماذا تأخذ منّي فلذة كبدي، وليس لي سواه ؟ لقد فرضت عليه أن يحلف على القرآن بأنه لن يحرق إلى الطليان كما يفعل المغامرون. حلف ولكنّ ها هو يحنث. كان يعيش فقط على أمل السّفر إلى الخارج. عملت على حجز جواز سفره، وعلى أن لا أتركه يستقلّ الحافلة إلاّ بعد أن يحلف لي. ولكن، أنت من غرّرت به يا ولد خدّوجة، وأنت من تعيده إليّ حيّا، وإلاّ فإنّي والله أسمل عينيك بأظافري.
... في عرض البحر صخور ناتئة وأمواج تعلو متلاطمة، ولا قمر ينير السّبيل. وعلى الشّاطئ أعوان الحماية المدنية يخرجون بجثّة هامدة، يضعونها على محفّة ويسيرون بها نـحو سيّارتهم. وأنا، مع الفضوليين أطلّ على الغريق :
- آه... آه... يا كريم... آه... آه... يا أولاد بالعيفي... آه... آه... يا شاعر الغد، ماذا صنعت بنفسك ؟ لماذا تنجرف وراء سراب الشّمال ؟ لماذا تنزل من علياء الشّعانبي لتهلك هكذا على هذا الشّاطئ ؟ لماذا تحرقون جميعا ؟ آآآآآآآه... لو كنّا نعرف أين يمضي قمر الليالي الظّلماء، لكنّا فهمنا ربّما سرّ كلّ هذه العتمة التي تعمي بصائرنا وتلتفّ على ذاكرتنا فتحرمنا من الوصول إلى حيث نريد. بل تمنعنا من التفكير في الاستقرار على اليابسة حتّى لا يلتهمنا البحر. هذا هو الإشكال الحقيقي...
... في عرض البحر صخور ناتئة وأمواج تعلو متلاطمة، ولا قمر ينير السّبيل. وعلى الشّاطئ أمّ ثكلى تقسم على الثّأر لابنها الممدّد على المحفّة. ها هي تهجم على ابن خدّوجة الجعيّد، القابع الآن في زنزانته، مع علمها بأنّه بريء. ها هي تغرز أظافرها في عينيّ وتقتلعهما فأعود إلى السّباحة في العتمة من جديد.

*****

... متعوّد على العتمة. قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. وحدي من جديد، ممدّد على محفّة وعلى عينيّ عصابة سوداء. وأنا أصيح :
- بريء والله من محاولة الحرقان ومن تنظيم رحلات الحرقان. صحيح أنّني من عائلة بحّارة، ولكنّ الزّورق ليس زورقي، ولا اشتغلت عليه أبدا مع أحد. صحيح أيضا أنّني قابلت كريم أولاد بالعيفي في القصرين في ظروف لا أتذكّرها إلى الآن، ولكنّني ما دعوته إلى منزل بو زلفة، ولا قابلته فيها ولا علمت بخبر اعتزامه الحرقان أبدا.
... متعوّد على العتمة. قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. ووقع خطى بشرى التّوكابري تزورني في سجني. اقرصيني يا أمّيمتي. أقرصيني بسرعة. لقد تذكّرتها الآن. أيقظيني لأقول لهم الحقيقة كاملة. أين أنت يا دي جي؟
- هل تذكّرتني الآن، يا سي الأمجد ؟
- بشرى ... الله لا يبارك لك. ماذا تصنعين في السّجن في هذا الليل المظلم، والقمر مختبئ في مكان مجهول ؟ ثمّ لماذا تقتحمين عليّ حلمي، وتَكْسَرِينَ لي هذا السّين المهزلة فتضحكينني، وما لي رغبة في الضّحك؟ قولي، يا بشرى، لماذا انفصلتِ عن عَشِيري فارس الخميري ؟
- ألا تخجل من نفسك، يا سي الأمجد ؟ أنا أريد أن أنقذك، وأنت مصرّ على الهلاك. لماذا تقول إنّك لا تتذكّر ؟
- وأنت، لماذا تصرخين هكذا ؟ إذا قلت إنّني لم أتذكّر فلأنّني فعلا لم أتذكّر. آخر عهد لي بك يعود إلى أيّام علاقتك مع فارس الخميري. مازالت في ذهني صورتك وأنت تقطعين كعكة عيد ميلادك وتقسمين، بحقّ عدد شموعها الأربعة والعشرين، على أن تبقي وفيّة له مدى الحياة. ثمّ يصلني فجأة خبر أشنع من الكفر بآلهة الحبّ، يا بشرى. خبر بأنّكما انفصلتما. وبأنّ فارس لم يجد من وسيلة لتحمّل الصدمة، سوى قطع كلّ اتصال بنا جميعا، وهجر البلد ليدفن حزنه عليك في حضن عجوز بلجيكيّة. فجأة، انقطعت عنيّ أخباره وأخبارك. فأظلم الكون في عينيّ، يا بشرى. أنتما تفترقان ؟ العيب على القمر يا توكابري. لا أعرف أين يذهب حين يختفي. لذلك، أسقط في منطقة العتمة دائما، فلا أتذكّر شيئا.
- والآن ؟
- الآن تذكّرت. تذكّرتك في مقهى بومخلوف في الكاف. تجلسين على الدّكّانة وفي رقبتك آلة تصوير ومن حولك شباب لا أعرف أحدا منهم. لم أفهم لماذا صددتني يومها وكأنّك لم تكوني صديقتي، أو كأنّ انفصالك عن فارس الخميري قد محا كلّ الودّ الذي كان يجمع بيننا.
- ونوفل الوشّام، هل فهمت لماذا اختفى فجأة حين جئت تكلّمني ؟ هل تعرف أين ذهب ؟
- أه صحيح ... نوفل الوشّام... الآن أتذكّر هذا الاسم... هذا أيضا ما لم أفهمه يا بشرى. لم يكن من طبعه أن يتركني في مثل ذلك المأزق. ولم أكن أتصوّر لحظة أنّه، يومها، كان يريد التّخلّي عنّي. لقد عرفته رجلا كريما أحسن إليّ شهورا. آواني وأطعمني لوجه الله.
- بل قل إنّه رجل مجرم، يا سي الأمجد، وتستّرك عليه سيجني عليك. ألم تكن تعلم أنّه رئيس شبكة تتاجر بالممنوعات عبر الحدود مع الجزائر ؟ كيف وصلت إلى مخالطة هؤلاء الرّهط ؟ وماذا كنت تصنع معهم ؟ شاهدك المخبرون في سيّارة نوفل الوشّام تعبر الحدود في الاتجاهين. ألا تتذكّر هذا على الأقلّ ؟
- ضباب. ضباب يا بشرى، والعيب على القمر إذ يغيب فلا أعرف أين يمضي.
- اسمعني جيدا يا سي الأمجد. لا تلتجئ لهذه التّعابير المبهمة للالتفاف حول السّؤال والهروب من قول الحقيقة. الآن وقد تذكّرت لقاءنا بالكاف، فليس أمامك إلاّ أن تتذكّر أيضا كلّ شيء عن نوفل الوشّام. عليك أن تمدّنا بكلّ المعلومات عنه.
- وما شأنك أنت بنوفل الوشّام ؟ هل جئت لزيارتي، أم أنت أيضا متواطئة ضدّي مع البوليس ؟
- ستفهم كلّ شيء في الإبّان. لا يوجد هنا أحد غيري مقتنع بصدقك. كنت واثقة، من يوم ألقي القبض عليك، من أنّك مصاب في أعصابك. أنا من تدخّلت لأجعل رئيسة المصلحة تتولّى شأنك بنفسها. لقد بذلت كلّ جهدها لمساعدتك على استرجاع ذاكرتك. ولكنّك لم تساعدها بالمرّة على إنقاذك. وأنا من حدّثت عنك بالصّدفة نادية بالعيساويّة. كنت على علم بمشاكلها، فروت لي كلّ شيء. ونجحت في إقناعها بأن تدلي بشهادتها على مقابلتكما في منزل بوزلفة، حتّى تنقذك من تهمة المشاركة في قتل الحاجّة هنيّة. وأنا ختاما من صوّرتك في الكاف مع عملة الحضائر.
- هل تقصدين أنّك ... ؟
- لا حاجة لمزيد إعمال السّكيّن في الجرح الحيّ يا سي الأمجد. نعم، أنا ضابطة شرطة. وإنّي في هذه المهنة منذ كنت طالبة. وهذا ما جعل فارس يتخلّى عنّي يوم اكتشف الحقيقة. يوم رأيتني في قاعة شاي بومخلوف كنت وبعض الزملاء الشّباب ننتظر وصول قوات دعم تساعدنا على القبض على نوفل الوشّام. فإذا أنت تنحشر بيننا فتفسد كلّ شيء. لفتّ نظره إلى وجودنا وأحدثت بلبلة ساعدته بها من حيث تدري أو لا تدري على الإفلات منّا. أنت من أفسدت خطّتنا للقبض عليه يا سي الأمجد. لقد كنت سببا في فشل مهمّتي وعليك الآن أن تستجمع كلّ ذاكرتك لتقول لنا كلّ شيء وتساعدنا على العثور عليه من جديد، وإلاّ فلا مناص من اعتبارك شريكا له. وعندها، لن أستطيع لك شيئا.


*****
... متعوّد على العتمة. قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. وبشرى التّوكابري لم تكن من البداية إلاّ عون شرطة. من كان قادرا على تصوّر كلّ هذا ؟ وكيف لا أصاب بالعمى حتى نهايتي ؟ لماذا يا ربّي تغيّب القمر ولا تهديني إلى المكان الذي فيه أخفيته ؟ لماذا يا ربّي تجتثّني من جنّة النّسيان لتحشرني في أتّون اكتشاف أوهامي المعتّقة ؟ لماذا يا ربّي تعيد لي كلّ هذه الذّكريات ولا تسعفني بوضوح الرّؤية لتعزّيني ؟
... قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. وأنا وحدي ممدّد على المحفّة كما كنت أبدا، تنهشني الحمّى والأسئلة. ياسين بالأغنج، البدويّ المثالي المتشبّث بالأخلاق، يشتغل بالبغاء ويموت مقتولا في تصفية حساب. عبد الحفيظ بالطّالب الرّبعاوي، النّزق ابن النّزق، حفّة الجيغولو، يصبح زعيما إخوانجيّا، فيسعى إلى انتدابي وتهريبي ثمّ يأمر بضربي على جمجمتي وتركي عرضة للموت في الصّحراء. كريم أولاد بالعيفي، الشّاعر محبّ البلاد، يضطرّ إلى الحرقان فيغرق في عرض البحر حتّى أتّهم أنا بحثّه على "الحرقة" التي أدّت إلى وفاته. وختاما، بشرى التوكابري... بشرى، حفيدة لينين... بشرى، سليلة الشّي غيفارة... بشرى، التي كانت تؤكّد إصابتها بالقرف من مجرّد سماع كلمة بوليس، كانت هي بالذّات ضابطة شرطة.
... قاعة الاستماع تسبح في الظّلمة. وكلّ هذا الضّغط على أعصابي يتجاوز كثيرا طاقتي على التّحمّل. العيب على القمر يا فارس. العيب على القمر يا خميري البهلول. العيب على القمر يا سيدتي رئيسة المصلحة. يختفي القمر فلا أعرف أين يذهب...
أو لعلّ السّبب أنّكم أخذتم منّي بوصلة سيدي النّا... أعيدوا إليّ بوصلة سيدي النّا... يا سيّدتي. أعيدوا إليّ بوصلتي بسرعة.
- ما حكاية هذه البوصلة يا سي الأمجد ؟ أختك رشيدة جاءتنا تريد أن تسترجعها. قلنا لها إنّك لم تكن تحمل بوصلة معك حين قبضنا عليك.
- بلى، كانت عندي بوصلة. وأنتم من أخذتموها منّي وأضعتموها. أعيدوا إليّ بوصلتي.
*****
... مغارة بونية منقورة في الصّخر على رشم الماء. كلّ ما فيها ينذر بالانهيار. شقوق تتّسع وتتّسع. وأنا أنقل مقيّدا من غرفة متشقّقة إلى غرفة أكثر تشقّقا. ها أنا مقيّد اليدين والرجلين والبطن والصدر والعنق، ممدّد على المحفّة في العتمة، والأمواج في الخارج ترتفع دائما وتصطخب، والرّيح تصفّر من بين الشّقوق ألحان سمفونيّة للرّعب. أسلاك كهربائية مشدودة إلى جلدي على كامل جسدي. جهاز كشف الكذب والنّفاق والتمثيل والأمراض العصبية المستعصية. طبيب آليّ يطرح أسئلته بطريقة آلية ولا ينتظرني حتّى أجيبه :
- اختبار الحقيقة... اختبار الحقيقة... المتّهم محمّد الأمجد بن الحبيب بن البحري بريقشة. تشعر شعورا صادقا تسلم. تضطرب، تتوتّر، تتصنّع مشاعر الزّيف، أو الأفكار الخاطئة، تجبر دمك على البرود، إلخ، إلخ... نـحقنك بالكاشف المعرّي، حقنة بعد حقنة، حتّى نعرّيك تماما. وهكذا يتبيّن الخيط الأبيض تلقائيّا من الخيط الأسود. مفهوم ؟ لنبدأ.
وتنزل الأسئلة كهطول المطر لا يتوقّف: من أنت ؟ ما علاقتك بصاحب الزّورق ؟ كم تقبض على كلّ حارق تستدرجه ؟ لماذا قتلت كريم أولاد بالعيفي ؟ من عرّفك على نوفل الوشّام ؟ كم مرّة قطعت الحدود الجزائريّة ؟ هل أنت مشارك في اغتيال ياسين بالأغنج ؟ ما كان دورك في أحداث الحوض المنجمي ؟ كم تقبض مقابل كلّ مومس تجلبها للحرفاء ؟ هل أنت من افتضّ بكارة عيشوشة العجل ؟
- لا إلاّ عيشوشة... ارفعوا ايديكم عن عيشوشتي...
- احقنوه ....
- آ آ آ آ آ آ ه...
بعد كلّ حقنة جديدية سلسلة أسئلة جديدة :
من تكون حتّى لا تشتغل عند عامر البينتو ؟ أين أخفيت البوصلة ؟ ما سرّ بحثك الملهوف عن تازغران ؟ ما علاقتك بحفّة الجيغولو ؟ أين ذهبت بين يوم تلقّيك ضربة على جمجمتك ويوم ظهورك مع نوفل الوشّام بالكاف ؟ من أوحى لك بفكرة تصنّع فقدان الذّاكرة ؟ من عرّفك على سفيان الجريدي ؟ هل هو أيضا شريك لك في تجارة الحرقة ؟ من هم أفراد العصابة ؟ وجدنا حافظة نقودك وأوراقك في سيارة مسروقة، من أين سرقتها ؟ من منكم المكلّف بتدليس الوثائق ؟ من الذي يثبت أنّ ميارى من صلبك وليست من صلب عامر البينتو ؟
- لا ... كلّ شيء إلاّ عيشوشة... كلّ شيئ إلاّ ميارى ... ارفعوا ايديكم عن عيشوشتي... ارفعوا أيديكم عن ميارتنا.
- احقنوه ....
- آ آ آ آ آ آ ه...
تتتالى الأسئلة وتتشابه. وتتتالى الحقن وتتشابه هي الأخرى. وكلّ هذا يفضي أخيرا إلى تقرير الاختبار :
- اسمعوا وعوا... آخر قرار، آخر قرار... نـحن الرّوبوت ابن الرّوبوت، السّاهر على تنفيذ اختبارات الأمراض العصبية المستعصية، نعلن أنّ أعصاب المتّهم محمّد الامجد بريقشة سليمة. ونشهد، بعد الاختبار الدّقيق، بأنّه صاحب ذكاء فوق المتوسّط بكثير، وقدرة عجيبة على التخييل، وموهبة لصياغة الكذب بشكل يدعو إلى تصديقه. ونؤكّد أنّ ذاكرته سليمة وإدراكه كامل. أمّا هذيانه فهو أكثر منطقا وأحكم تنظيما من أن يعتبر مرضيا. وبناء عليه، فنـحن الرّوبوت ابن الرّوبوت، نعلن المتّهم صالحا للإخضاع إلى التّحقيق بشكل عادي. ونقرّ إمكانية اعتبار أقواله أدلة عليه. كما نأذن بإخراجه حالاّ من مستشفى الأمراض العقلية وإعادته إلى زنزانته.

... مغارة بونية منقورة في الصّخر على رشم الماء. كلّ ما فيها ينهار على رأسي. يخلع الممرّضون ميدعاتهم البيضاء ويرتدون أزياء رجال الشرطة. ها هم يفكون من جسدي أسلاك الكهرباء ويفصلونني عن جهاز كشف الكذب وما إليه. ها هم ينتشلون جثّتي من تحت الأنقاض ويقودونني إلى السّجن من جديد. إليّ يا دي جي، أقرصيني يا أميمتي قبل أن يستفحل الكابوس نهائيّا. أقرصيني يا أميمتي قبل أن يفوت الأوان...

الهكواتي .../... يتبع
-----------
(1) آه تازغران، تازغران. هنا ؟ لا أعرف يا أخي أنا هنا سائح فقط. ولكن عندي صديق أمازيغيّ. وأعرف أنّ تازغران يمكن أن تعني، كما تقول أنت، الحمراء أو الأحمر أو اللون الأحمر. أمّا أن تكون قرية، فلست أدري. ولكن هنا في تونس يصعب أن تجدها يا صاحبي. لأنه لا يوجد أمازيغ. أمّا في الجزائر فهذا ممكن...

2009-01-23

بوصلة سيدي النّا... 17 هاوية النّسيان، ثانية

سنتي على جناح السّرد 47 من 53 // بوصلة سيدي النّا... 17 من 23– 23 جانفي 2009


المسلك الثاني :

صوّان فوق الكثبان

الوجهة السادسة 2 :

هاوية النّسيان، ثانية

"علاقة هذا بالواقع محض خيال"- الهكواتي

بقية اللقاء رقم.......
.....................
- لقد تقرّر، للأسف، أن تنتهي المهلة التي أعطيت لنا، اليوم. وعليّ أن أعرف حالاّ ما هو قرارك.
............
أنا آسفة يا سي الأمجد. ولكن عليّ تنبيهك إلى أنّه لم يعد بإمكان أحد أن ينتظر مثلما انتظرنا. أنا أيضا صرت مقتنعة بأن لا طائل من هذه المقابلات بعد حصّة اليوم. وإذا لم تجبني الآن فإنّني سأضطرّ إلى الانسحاب بلا رجعة. وأنت تعرف ماذا يعني أن أعلن فشلي. سيكون لهم أن يستنتجوا ما يرونه صالحا. سيكون من حقّهم أن يتعاملوا معك بما يرونه مفيدا.
- أريد أن أفهم كيف...
- لم يعد عندي وقت لأشرح لك أيّ شيء، يا سي الأمجد. يبدو أنّك لم تفهم كلامي جيّدا. أجبني، إن أردت جوابا، على قدر سؤالي، لا أكثر ولا أقلّ : أين قابلت نادية بالعيساويّة أوّل مرّة ؟ جواب في كلمة واحدة وإلاّ فإنّني سأخرج من هنا ولن تراني بعد الآن.


- ................
.... في السّلوقيّة..... في السّلوقيّة، يا سيّدتي. وتدقيقا في مخرج البلدة، على قنطرة وادي مجردة.
- لماذا كذبت عليّ إذًا ؟
- ليس في الكاف على كلّ حال.
- لماذا قلت إنّ ذلك كان في زغوان، وأنت تعرف أنّك لم تضع رجليك هناك أبدا ؟ لماذا تكذب عليّ أنا، وأنت تعرف أنّني أريد أن أساعدك بصدق ؟ بسبب كذبك هذا فإنّهم لن يصدّقوا حتّى أنّك فقدت الذّاكرة. أمّا ادّعاؤك أنّك عشت فترة في حالة يقظة لا واعية، فأقلّ ما سيقولون عنه، أنّه محض اختراع. فأنت تقول كلاما لا يقبله العقل، يا سي الأمجد. بودّي أن أتفهّمك، أن أتابع تحليلك إلى آخره، أن أساعدك. أمّا هم فيعرفون أنّك ذكيّ جدّا. بل يقولون إنّك مع هذا بارع في التّمثيل وإنّك تفعل كلّ شيء من أجل التّستّر على شركائك وتريد أن تربح الوقت لفائدة رفاقك في الإجرام.
............
أجبني، ما الذي يدفعك إلى الكذب ؟
- لا أحد يصدّق الحقيقة يا سيّدتي. ثمّ إنّني أخاف.
- ممّن ؟
- من نادية، من أمّ نادية. على نادية، من زوج نادية. أخاف منّي أنا، من عدم قدرتي على مجابهة الحقيقة. لست أدري. أخاف منكم. من كلّ شيء. من سيصدّق أنّني قضيت يومين كاملين، في بيت مغلق، مع امرأة نشزت عن زوجها ولم يحصل بيننا شيء أكثر من الحديث ؟

*****

بقية اللقاء رقم.......
....................................
... خبزتان وثلاث علب من الحليب ومثلها من البسكويت وكرة من الجبنة الحمراء وستّ قوارير من الماء المعدني، وأشياء أخرى، منها طبعا جعبة من علب السّجائر. كدس من المشتريات جلبت في أكياس بلاستيكيّة ووضعت كما اتّفق في وسط غرفة الجلوس على الأرضيّة وفوق المائدة الزّجاجية القصيرة.
...نادية بالعيساويّة ممدّدة على الأريكة المستطيلة، لا تنقطع عن التّدخين. وأنا ممدّد على الزّربية غير بعيد عنها، أسعل حينا، وحينا أقاوم رغبتي في السّعال بشرب الماء. رويت لها قصّتي مع الكاباس و كيف نهرت أمّي لأنّها رهنت كلّ مصوغها لتعطي كلّ ما تملك لامرأة تدّعي القدرة على التّدخّل للعمل على إنجاحي في المناظرة. ورويت لها كيف خرجت عن كلّ قواعد طاعة الوالدين المقدّسة، فرفعت صوتي في حضرة خدّوجة الجعيّد. بل هدّدتها بأنّني سأهجر البيت ولا أعود إليه أبدا.
... وروت لي نادية من ناحيتها كيف عيّنها خالها، حال تخرّجها، مدرّسة لمادّة التّاريخ في مدرسة إعدادية لا تبعد كثيرا عن تستور، حيث انتقلت للسكنى بعد زواجها من رجل أعمال مطلّق وثريّ من أصدقاء العائلة. وإذ وعدها زوجها، عند الخطوبة، بمساعدتها على مواصلة تعليمها في المرحلة الثالثة، حتّى تصبح أستاذة جامعية، فإنّها أفاقت من حلمها الجميل، لتجد كلّ شيء قد ذهبت بمرور الأيام هباء.
... كانت تحكي وتدخّن، والأكل كما هو لا تلمسه هي ولا أجرؤ أنا على مدّ يدي إليه. وكلّما أخذها النّوم تنام، ولكن حال ما أغفو أسمعها تولّع سيجارة جديدة. وحين تلاحظ أنّني استيقظت تبدأ بسؤالي عن ياسين بالأغنج وفارس الخميري. كما تطرح أسئلة عن عشايا السّينما بدار الثّقافة ابن خلدون. فأسكت، لأتذكّر وأستعدّ لإجابتها، ولكنّها سرعان ما تواصل سرد حكايتها الخاصّة وكأنّها لم تطرح عليّ أيّ سؤال.
... مأساة نادية بالعيساويّة أنّها رسمت لنفسها، كما فسّرت لي، هدفا منذ الصّغر. أعلنته للجميع وبدأت تعمل على تحقيقه بكلّ الوسائل. ثمّ وجدت نفسها مكبّلة بوضع، قبلت به لأنّها كانت تتصوّره الطّريق الأقصر إلى تحقيق غايتها. كانت تريد أن تلعب في المجتمع دورا فاعلا من الطّراز الأوّل. وكانت الوصفة تبدو لها بديهيّة. تناضل في الحزب الحاكم وتشتغل فترتقي في سلّم الوظائف حتّى تثبت للعالم قدرة المرأة على اعتلاء أرقى المناصب القياديّة والاضطلاع بأسمى المهامّ، جنبا إلى جنب مع الرّجل.
كانت نادية تتوفّر فعلا على كلّ أسباب النّجاح في تحقيق حلمها. ولكنّها، على ما تقول، لم تقرأ حسابا لقدرة زوجها على المناورة. فهو داهية يشنّ على أهدافها في الكواليس حملة تخريبيّة منظّمة، في حين يعلن على الملإ مساندتها وتشجيعها على بلوغها. فلم تتفطّن للفخّ إلاّ بعد أن تحوّلت، في أقلّ من ستّ سنوات، إلى ربّة بيت كاملة المواصفات.


لقد بدأت بقبول التخلّي عن عملها في التعليم حتّى تتمكّن من مصاحبة زوجها في سفراته المهنيّة المتعدّدة. بعد ذلك، مرضت حماتها، فكان عليها تقديم التّنازل والبقاء في المنزل لمؤانستها وللإشراف على عمل الخادمة عوضا عنها. خاصّة وقد قلّت السّفرات التي تتطلّبها أعمال زوجها. وختاما تعدّدت مشاغل البيت إلى درجة لم تعد تسمح لها حتّى بحضور اجتماعات الشّعبة المحلّية. هذا دون اعتبار الوقت الذي أصبحت مضطرّة لإنفاقه تجسّسا على مغامرات زوجها مع موظّفات شركته.
... كانت تشرح لي العلاقة بين فشل مسيرتها السّياسيّة وفشل زواجها. ثمّ تعود في كلّ مرّة لتعلن إصرارها، إن عاجلا أو آجلا، ومهما كلّفها ذلك من أمر، على خيانة هذا الزّوج الذي لم يعد يكتفي بتحريكها على هواه كما يحرّك دمية، بل صار يخونها مع كلّ هبّة نسيم.
أمّا أنا فكنت أستمع إليها وأفكّر في الموضوع فيبدو لي بكلّ جدّ أنّ من حقّها، إذا كان كلّ ما تقوله صحيحا، أن تعامله بالمثل تماما. ولكن، ها أنّ نوبات الضّحك اللاّ إراديّ، التي خلتها ذهبت إلى غير رجعة منذ يوم عيد الأضحى، تعود لي فجأة. فأشعر بالخجل من نفسي وأدير ظهري لنادية متظاهرا بالسّعال وأضحك حتّى يكاد نفسي ينكتم. أمّا هي فلا تضحك ولا تكفّ عن التّدخين.
...بعد يومين كاملين وصلت أمّها، السّيدة نائلة، قبيل الغروب، قادمة من زغوان. امرأة صارمة. لامت ابنتها كثيرا على هذه الفعلة. قالت بالحرف الواحد إنّها فعلة شنيعة. ثمّ فكّرت بكلّ رصانة وقرّرت أنّه علينا جميعا، أن نقول، إذا جاء أحد، إنّ الأمّ وابنتها التقتاني معا، عصر ذلك اليوم بالذّات، وفي زغوان لا في السّلوقيّة. قالت السيّدة نائلة إنّ واقعة انفلاق عجلة السّيّارة أعجبتها كفكرة. ما يعني أنّها لم تكن تعتبرها أكثر من تعلّة اتّخذتها نادية لإخفاء علاقة تتوهّم الأمّ وجودها بيننا من قبل زواج ابنتها. وهكذا أمرت السّيدة نائلة بنقل واقعة العجلة من مخرج السّلوقية إلى مخرج زغوان، وعدلت بالمناسبة عن طردي من بيتها في تلك السّاعة من الليل.
... في الليل نامت الأمّ وابنتها في إحدى غرف النّوم. أغلقتا عليهما الباب وتركتاني أنام على نفس الزّربيّة في غرفة الجلوس. وفي الصّباح استيقظتا باكرا وقرّرتا الذّهاب إلى تستور وقد هدأ روع نادية تماما. لقد نسِيَتْ كلّ ما كانت تقوله لي قبل مجيء أمّها. وتحوّلت نقمتها على زوجها إلى لهفة على مصالحته، وإيمان ثابت بأنّها ستنجح لا محالة في إعادة الرّوح إلى مسيرتها السّياسيّة، بفضل محافظتها على هذا التّحالف مع زوجها، مع العمل على استثماره لبلوغ هدفها، دون أدنى تنازل للعواطف.
... خبزتان وثلاث علب من الحليب ومثلها من البسكويت وكرة من الجبنة الحمراء، وعديد الأشياء الأخرى... كدس من المشتريات في أكياس بلاستيكيّة بقيت موضوعة كما اتّفق في وسط غرفة الجلوس وعلى المائدة الزّجاجية القصيرة. حتّى السيّدة نائلة لم تلمس الأكل. ثلاثتنا لم نستهلك سوى الماء المعدني. وطبعا استهلكت نادية عددا مخيفا من السّجائر. أمّها أيضا دخّنت كثيرا. وهي من أخذت معها بقيّة الجعبة. أمّا بقيّة الأكياس، فوضعتها لي في قفّة من السّمار وأهدتني إيّاها، وهي تطلب منّي بإلحاح أن أنسى لقائي بابنتها، وإذا قدّر وطلبت منّي شهادة، أن أتمسّك بالقول إنّني لقيتهما معا في مخرج زغوان وقد انفلقت عجلة سيّارتهما. فساعدتهما على تغيير العجلة. ثمّ طلبت منهما أخذي معهما حتّى تازغران. فأنزلتاني في منزل بوزلفة وانصرفتا إلى وجهة لا أعلمها.
... قبل أن أودّعهما، طلبت منهما أن تدلاّني فعلا على الطّريق إلى تازغران. فأشارتا إلى جهة، وتوغّلتا بسيّارتهما في الجهة المعاكسة. أمّا أنا فانصرفت أجرّ رجليّ وأغنّي لكلّ من يعترضني "الورد جميل". ولأنّني لم أكن أدري بالضّبط لماذا أقصد تازغران بالذّات، ولماذا أغنّى هذه الأغنية بالذّات، فإنّ نوبات الضّحك اللاّ إراديّ عادت إليّ بقوّة. حتّى أخذ كلّ العابرين ينظرون إليّ بعيون متسائلة. فأغنّي لهم، ويزيد ضحكي، ويضحك بعضهم قليلا، ويتلوّى بعضهم الآخر من الضّحك، ثمّ يذهب كلّ في سبيله.

*****

بقية اللقاء رقم.......
....................................


... بلى يا سيّدتي، أعرفها. لم أقل أبدا إنّني لا أعرف الكاف. بل أعرفها وذهبت إليها مرارا. لقد بقيت قترة طويلة أعيش عند الحاجّة هنيّة. ولكن ليس في بيتها القديم الذي في مدخل الكاف. كما أنّني لم أعمل في حضيرة بناء فيلّتها في الحيّ الجديد بالمدينة. بل كنت أقيم في غرفة من طوب داخل ضيعة للحاجّة قرب بلدة السّلوقيّة. وهي التي كانت تزور ضيعتها بانتظام. أذكر أنّها أخذتني معها إلى الكاف مرّة واحدة، لأحضر زردة أولمتها في مقام سيدي بو مخلوف وذبحت فيها كبشا أحضرناه معنا من الضّيعة بعد أن اخترناه من قطيع بوجمعة.

... ليلتها، أكلت الكسكسي. وبتّ في حضيرة الفيلاّ ولم يكن بها أيّ من العمّال. وما أن طلع فجر الغد حتّى أعادتني الحاجّة هنيّة إلى السّلوقية على متن نفس الشّاحنة. وفي ما عدا هذا، ليست عندي أيّ ذكرى من الكاف. بل عندي، ولكن ليس أكثر من بعض صور ضبابيّة لا أتذكّر من بينها أيّ صورة التقطت لي مع عمّال الحاجّة. اللهمّ إلاّ إذا كانت هذه الصّورة قد التقطت لي قبل أن أستعيد وعيي جزئيّا. وحتّى أطمئنك بشأن قضيّة القتل، فإنّني يوم التقيت نادية بالعيساويّة لم أكن قد ذهبت إلى الكاف منذ فترة طويلة...

*****

بقية اللقاء رقم.......
....................................
... واقف أمام جامع القادريّة. فجأة أجدني أضحك بلا إرادة منّي وأشعر لأوّل مرّة بأنّ ذلك تصرّف غير عاديّ. ألاحظ، دون أن أكفّ عن الضّحك، أنّني كنت أمدّ يدي مع بقية المتسوّلين إلى المصلّين الخارجين من الجامع. خجل شديد ينتابني...
... ألق من نور مبهر يخترقني، ترسله عينا امرأة عجوز أتعرّف فيهما على نفس شعاع عيني جدّتي الدّرعيّة الجعيّدة وعيني العجوز أمّ الزّين العذراء. يد الحاجّة هنيّة تمتدّ إليّ بقطعة نقديّة، وعيناها تنفذان إلى أعماقي. فلا أقدر على مواصلة النّظر إليهما وأجدني فجأة، أطأطئ رأسي وأسحب يدي بسرعة وأهرب مبتعدا عن صفّ المتسوّلين...
... واقف في رأس زقاق آخر أنتظر أن تلتحق بي الحاجّة هنيّة. أحشر يدي في جيبي. حجيرات الصّوّان السّتّ ما تزال فيه. تعود بي الذّاكرة في لمح البصر إلى صورة كثيب في عرض الصّحراء تدحرجت منه قبل أن أسقط مغشيّا عليّ. فجأة يعبر ذهني السّؤال : ولكن أين أنا ؟ وماذا أصنع هنا ؟ وقبل أن أجد جوابا تنتابني موجة أخرى من الضّحك اللاّ إراديّ، وتغيب صورة الكثيب في أعماق النّسيان...
... أمشي وأنظر بين رجليّ. أتأمّل الأرض المبلّطة بالحجر الأبيض. النّهج الضّيّق يتسلّق متثعبنا بين المساكن المتلاصقة حتّى يبلغ بطحاء تشرف على جبال خضراء تغشيها السّحب على مدى الأفق. أتفطّن لأوّل مرّة إلى أنّني في مدينة لم أكن أعرفها ولا أذكر أنّني زرتها أبدا من قبل. ومع ذلك يبدو لي أنّني أتذكّر هذه الأزقّة بالذّات كما لو أنّني عشت فيها طويلا...
... بطحاء الشيخ علي. الحاجّة هنيّة تتجاوزني فأقتفي أثرها ماشيا وراءها كالمنجذب إليها بالمغناطيس. حارس المتحف يخرج من باب بالخوخة ويحيّيها :
- "فينك يا أُمَّة هنيّة ؟"
ثمّ يصيح بي منتهرا :
- "برّة يا "لَصْ" روّح"
ولكنّ الحاجّة هنيّة تجيبه بقولها :
- "سيّبه خلّي رحمة ربّي تنزل ع الأرض"
وتلتفت إليّ :
- "هيّا امشِ يا "لَصْ" أش عليك فيه".
هكذا إذًا، أنا "اللَّصْ". حارس المتحف يعرفني وكذلك هذه المرأة التي ليست الدّرعية الجعيّدة ولا أمّ الزّين العذراء.

*****

بقية اللقاء رقم.......
....................................
... قلت لك من البداية يا سيّدتي إنّها صور ضبابيّة. ما كنت لأتذكّرها لو لا أنّ الحاجّة هنيّة سردت عليّ قصّة لقائنا مرارا وتكرارا. فهي التي روت لي كيف أخذتني إلى مقام سيدي بو مخلوف، وكيف عرضت على القائمين عليه أن يؤووني هناك كما كان أصحاب الخير يفعلون أيّام زمان، حين كانوا يصادفون بالمدينة غرباء. وهي التي وصفت لي غضبها حين ردّها حارس المقام خائبة وذكّرتني كيف أركبتني في صندوق شاحنتها مع ثلاثة أكياس من السّماد الأبيض. ولم أبت ليلتها إلاّ في ضيعة السّلوقيّة تحت حماية بوجمعة.
... صدّقيني يا سيّدتي. لا أتذكّر غير هذه الصّور الضّبابية. حتّى اسمي لم يسألني عنه أحد ولم أقله لأحد. استطبت اسم "اللَّصْ" الذي لم أدر في أيّ الظّروف أطلق عليّ. الحاجّة هنيّة تناديني به وكذلك عاملاتها اللائي يفدن على الضّيعة نهارا وينصرفن عند الغروب. أمّا بوجمعة فيناديني "يالخو"(1).
أعجبني العيش مع الحشائش وطوابي الهندي وأشجار السّفرجل والرّمّان. أعجبني العيش مع الحيوانات، أختلط بها ولا أتعامل معها إلاّ بقدر ما يسمح لي به أو يطلبه منّي بو جمعة. فأنا لم أكن عاملا عند الحاجّة هنيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة. كنت عبارة عن لاجئ عندها، أعمل ما أستطيع عندما أريد العمل، مقابل أكل يأتيني به بوجمعة بعد الغروب أو تهدينيه بعض العاملات حين تجلسن حلقات تحت الشّجر لتناول طعامهنّ عند الزّوال.
قبل يومين من عيد الأضحى، زارت الحاجّة هنيّة ضيعة السّلوقيّة. حاسبت بوجمعة على ما بيع من شياه. أخذت من عنده الأموال ودفعت أجور العاملات وأحسنت إليهنّ. أمّا أنا فأخذتني معها إلى تستور. اشترت لي ثيابا جديدة من عند بيّاع الفريب. ثمّ عادت بي إلى الضّيعة. و في آخر النّهار اختارت أجمل كبش في القطيع كان بوجمعة يتركه في الزّريبة عندما يأخذ الشياه إلى السّوق. أحكمنا وثاق رجليه وتعاونّا على رفعه، بوجمعة وأنا، إلى صندوق الشّاحنة. وقبل أن تنطلق الحاجّة هنيّة إلى الكاف، أوصت بوجمعة بي خيرا :
- وخيّك "اللَّصْ" يا بو جمعة، وهذا عيد إسلام. عينك على خوك.
كانت تلك آخر مرّة رأيت فيها الحاجّة هنيّة. وكانت أيضا آخر مرّة ينتابني فيها الضّحك اللا إرادي، بمجرّد أن تخيّلت أنّني وبوجمعة أخوين فعلا وأنّ الحاجّة هنيّة أمّنا. وكانت آخر كلمة سمعتها منها دعاء بقي صداه يعتمل بداخلي وكأنّه داع يحثّني على الانصراف من السّلوقيّة. قالت وهي تدير عجلة قيادة شاحنتها وتلقي إليّ آخر نظرة عبر النّافذة المفتوحة :
- هيّا عيدك مبروك، يا لصّ، ربّي يحنّ عليك ويفرج كربك.
...فجر يوم العيد، أوقدت نارا وسخّنت ماء واغتسلت ولبست ثيابي الجديدة كما اتّفقت مع بوجمعة. وجاء وائل، ابنه الاكبر، يناديني. وانطلقنا ثلاثة نعبر البساتين في الظّلام ونستمع إلى بوجمعة يشرح لي ولابنه كيف ينبغي أن نتصرّف أثناء صلاة العيد.
... في جامع البلدة، كنت أستسلم إلى أناشيد الذِّكْرِ تحملني بعيدا وأبكي. وكان بوجمعة يرى دموعي تسيل وينهر ابنه الذي يسألني عن السّبب. ولم تكفّ دموعي الصّامتة عن السّيلان حتّى وأنا أتبادل التّهاني بالعيد مع المصلّين، ثمّ وأنا أساعد بوجمعة على ذبح خروفه، ثمّ وأنا أفرض على نفسي أكل المشوي مجاملة لزوجته وأطفاله :
- أنا آسف يا بو جمعة. جعلت عيدكم حزينا.
... انزويت يومين بغرفة الطّوب لا يحلو لي أكل ولا شرب. شيء ما بداخلي صار يذكّرني، بغامض الإشارات، بأنّني أنا محمّد الأمجد بريقشة وبأنّه عليّ أن أفعل شيئا في الحال حتّى لا أستطيب تقمّص شخصيّة "اللَّصّ" مجهول الهويّة. يومان كاملان يملؤني صدى صوت الحاجّة هنيّة وهي تدعو لي: "ربّي يحنّ عليك ويفرّج كربك".
...يومان وحدي مع إحساس بأنّني اشتقت إلى خدّوجة الجعيّد، واشتقت أيضا إلى عيشوشة بنت العجل، إلى البّيه صبرية، إلى زنقة بريقشة. ولكن هل يجوز لي الآن أن أعود إلى باب تونس كما لو أنّني لم أخرج منه أبدا ؟
... ثالث أيّام العيد خرجت من الصّباح الباكر قبل أن يأتيني بوجمعة بالأكل. أمشي بخطى المتجوّل الهائم بحذاء وادي مجردة. أصغي إلى هسهسة الأوراق الصّفراء المنثورة تحت رجليّ مستسلما إلى هدهدتها، ولا ألتفت ورائي. أمشي حينا ثمّ أجلس لأستريح وأفكّر وأتذكّر. لماذا أنا هائم هكذا ؟ ألم يكن لي مقصد معيّن أسير إليه ؟ لماذا لم أحلم منذ وقت طويل، لا في النّوم ولا في اليقظة ؟
... اختفت الشّمس تماما خلف السّحب. فجأة، تازغران، اسم بلدة بربريّ الوقع يقفز إلى ذهني ويلحّ عليّ دون أن أعرف لذلك سببا. هل ينبغي أن أتذكّر زمنا قضيته في تازغران ؟ أم هل يتوجّب عليّ أن أذهب إلى تازغران لقضاء شأن ما ؟
... المطر بدأ في التّساقط رذاذا والسّحب بدأت تتكثّف، تغطّي كلّ الهضاب من حولي. والبرد بدأ يسري في أطرافي. لا بدّ من العودة إلى الضّيعة. فجأة قفزت إلى ذهني من جديد صور الكثبان في الصّحراء تتتالى مراوحة بين صهد الشّمس الحارقة نهارا وحرائق الحطب ترتفع في الظّلام ليلا.
ربّي أيّ تناقض أعيش؟ في ذهني نار وجفاف وقبّة سماء صافية زرقاء، ومن حولي الخضرة تغطّي كلّ الهضاب المتسلسلة حتّى الأفق تحت قبّة سماء تكاد تمسّح على شعري بنتف سحبها الرّماديّة.

قطعة جديدة من وعيي تعود إليّ. أنا، محمّد الأمجد بريقشة، بدأت أتساءل من جديد عن وجودي وأميّز ما حولي. أنا، محمّد الأمجد بريقشة، بدأت أشعر برغبة ملحّة في الذّهاب إلى تازرغران، أو العودة إليها لأرتق ذاكرتي. ولن أبيت في غرفة الطّوب بعد الليلة.

*****

بقية اللقاء رقم.......
....................................
- لآخر مرّة يا سي الأمجد : في أيّ ظروف التقيت بشرى التّوكابري في الكاف ؟ هل تعترف على الأقلّ بأنّك التقيتها ؟ أجبني بنعم أو بلا.
- ...ضباب يا سيّدتي. ضباب ولا شيء غير الضّباب. أكاد أجزم بأنّني قابلتها من فترة ليست بالطّويلة. ربّما بالكاف، كما تقولين. ولكن ربّما بقفصة، ربّما بالقصرين، أو ربّما هنا في أروقة هذا السّجن. هل جاءت تعودني مع أختي رشيدة في الأسبوع الماضي ؟ ساعديني أنت يا سيّدتي. أعطيني شيئا من الوقت وسأتذكّر. اسم بشرى التّوكابري يعود إلى ذاكرتي مع اسمَيْ كريم أولاد بالعيفي، الشّاعر، وسفيان الجريدي، مسؤول فرع اتّحاد الطّلبة السابق. ولكنّني تعبت. الضّباب كثيف جدّا، ورأسي سينفجر. أظنّ أنّه بدأ يغمى عليّ...

الهكواتي .../... يتبع

------------
(1) "يالخو" : أيها الأخ كما تنطق باللهجة الجزائريّة.